حسين خوجلي يكتب: أين تسهر هذا الخميس؟

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

 

أين تسهر هذا الخميس؟

 

رحم الله الأرباب

كان الراحل حسن محجوب مصطفي نائب دائرة بربر الشهير (بالأرباب) من أميز القيادات الشعبية ذات البعد الثقافي وقد انتمى باكراً لطائفة الأنصار وحزب الامة، وكان رئيساً لتحرير صحيفة النيل الناطقة باسم الحزب وأصبح لاحقاً وزيراً للحكومات المحلية في الديموقراطية الثانية برئاسة الصادق المهدي.
وبحكم ارتباطه بالناس وأصولهم وأخلاقهم ومقدراتهم فقد كان معترضاً على تعيين وزير قام بترشيحه رئيس الحزب واحتد مع الرئيس في تعيينه باعتبار أن مدراء الحزب لا يمثلونه فقط، بل يمثلون الشعب وحتى المعارضين فيجب علينا في الاختيار أن نراعي مشاعر الجماهير من كل الاتجاهات السياسية والفكرية، ولكن زعامة الحزب ضربت نصيحة الرجل عرض الحائط ولم تَخِب فراسة الأرباب فقد أسرف الوزير القريب لقلب رئيس الحزب في الفساد والتجاوزات، وقد فاحت رائحة مثالبه حتى أصبحت حديث الصحف وكان سبب إبعاده في أقرب تشكيل وزاري عبارة أو قل مثلاً على مِنضدة رئيس الوزراء تقول باختصار:
عزيزي الرئيس السلام عليكم
يقول عُقلاء السياسة العالمون بأقدارالرجال: ضع ضفدعاً على كرسي موشى بالذهب وستجده يقفز للمستنقع، وهكذا بعض المخلوقات البشرية فمهما احترمته ورفعت من مكانته فسيعود قطعاً من السفح الذي أتى منه.

 

أبو ريشة رئيساً للولايات المتحدة

كان الشاعر والدبلوماسي عمر أبو ريشة صاحب القصيدة الشهيرة التي طالما تمثَل بها الكتاب والخطباء في توصيف الراهن العربي وإدانة السلطان والنخب العربية والقيادات التي تدير المرحلة ما بعد تقرير المصير:
ألاسرائيل تعلو راية
في حمى المهد وظل الحرم !؟
كيف أغضيت على الذل ولم
تنفضي عنك غبار التهم ؟
أوما كنت إذا البغي اعتدى
موجة من لهب أو من دم !؟
كيف أقدمت وأحجمت ولم
يشتف الثأر ولم تنتقمي ؟
اسمعي نوح الحزانى واطرب
وانظري دمع اليتامى وابسمي
ودعي القادة في أهوائها
تتفانى في خسيس المغنم
رب وامعتصماه انطلقت
ملء أفواه البنات اليتم
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
أمتي كم صنم مجدته
لم يكن يحمل طهر الصنم

ومما يحكي عن الرجل أنه عندما كان سفيراً بسوريا الكبرى وكان يقود العمل الخارجي بدمشق، عقد اجتماعاً مع الدبلوماسيين الجدد وقد تدافعوا نحو القاعة لأنهم كانوا يريدون الاستماع لعمرأبو ريشة الدبلوماسي والشاعروالوطني والمثقف، وقد أصبحت ورقته في ذلك الاجتماع واحدة من الأوراق التي تداولتها الصحف في الهلال الخصيب ومجالس الساسة والأدباء، ومنها عبارته الأشهر التي ضجت لها القاعة بالتصفيق (هنالك تعريفات متعددة للدبلوماسية وقد تلاها واحدة بعد الأخرى ، ولكن أكثرها تأثيراً ولؤماً هي أن الدبلوماسية هي مقدرتك أن تقول لأحدهم أن يذهب إلى الجحيم بطريقة تجعله يتطلع للذهاب في تلك الرحلة المثيرة).
وكانت له لطيفة يحكيها الرئيس الأمريكي صاحب الكريزما والنجم القتيل جون كيندي، فقد كان البرتوكول في تقديم أوراق الاعتماد مع الرئيس لا يتجاوزالعشر دقائق بيد أن الرئيس الأمريكي قد أكتشف أن السفير السوري عمر أبو ريشة كان مشرق العبارة وصاحب ظُرف وفكرة وصاحب رؤية، فاستبقاه الرئيس الأمريكي لأكثر من ساعة مخترقاً بذلك كل الأعراف مع السفراء الجدد، وكان دائماً مديرالمكتب يفتح الباب ليذكره بمٌضي الوقت لأن الرئيس الأمريكي كان يصرفه لأنه كان مستمتعاً بالصحبة وعندما لَحَظ أبو ريشه أن الدقائق قد استطالت مع الرئيس الأمريكي على غير المألوف استأذنه في الانصراف فاستبقاه الرئيس كيندي نصف ساعة أخرى، وقال له وهو يودعه : لو كنت يا مسترعمر أمريكياً لجعلتك مديراً لمكتبي أو ناطقاً رسمياً باسم البيت الأبيض أو وزيراً للشأن الثقافي فرد عليه عمر أبو ريشة مبتسماً:
لو كنت أمريكياً يا سيادة الرئيس لكن جالساً في مكانك فاستغرق الرئيس الأمريكي في فاصل من الضحك الطويل حتى انتبه طاقم المكتب، فصار صديقاً للرجل حتى رحيله.
إنها رسالة لوزير الخارجية لتأهيل كوادره فكرياً وثقافياً حتي يصير الواحد منهم أنيساً لمتخذي القرار في المحطات التي يعملوان بها بدلاً من قضاء الوقت في حساب الدولارات ومنزل المستقبل بالعاصمة وشقة الإجازة بإحدى العواصم الندية، فالسفارة ياسيادة الوزير (وطن).

 

عرب مول Arab Mall

إني أعترف بأن جمال ورصانة وعذوبة القصيدة العربية المقفاة من لدن امرؤ القيس، حسان بن ثابت، الخنساء، جرير، الفرزدق، المتنبي، المعري، أبو تمام، البحتري، شوقي، الجواهري، العباسي، التيجاني يوسف بشير، محمد المهدي المجذوب وإدريس جماع والقائمة تطول، نعم إني أعترف وأقر بأن هذا الجمال المطلق قد أرهقنا والمرء مجبولٌ على أن يهرب أحياناً من قيد الأصالة والرصانة والمثالية إلى عوالم أخرى من الشطحات والتبذل الحميد والتنازلات في المشاعر والشعر والفنون متعللين بالأثر الشريف والذي نرجو أن نكون مُحقِين في تأويله (ساعة فساعة).
فقد كنت زماناً أتلصص معجباً بحذر بشعر التَفعِيلة وجرأته في الخروج على التقليد وتعجبني عبارة صلاح أحمد إبراهيم الشهيرة: نحن مجموعة من الشعراء الشباب المُجددين من الذين كسروا عمود الشعري العربي التقليدي (طَقّ) وممن كانوا يأخذون بتلابيب عواطفنا إعجاباً السياب، نزار قباني، صلاح أحمد إبراهيم، محمد المكي إبراهيم، الماغوط، أحمد مطر، محمود درويش، التيجاني سعيد في قصائده البرمائية وأخيراً الراحل الفلسطيني مريد البرغوثي وابنه تميم ومن قصائد الأب المُعبرة بذكاء وصدق وجرأة عن الراهن العربي قصيدته القصيرة القامة الفارعة المعني (مقومات) والتي تقول هامسة وقارصة:
الكوكاكولا، تشيزمانهاتن، جنرال موتورز، كريستيان ديور، ماكدونالدز، شل، دايناستي، هيلتون انترناشينال، سانجام،
كنتاكي فرايد تشكن، الغاز المسيل للدموع والهراوات، والمباحث، قال ابن خلدون: هذه مقومات الدولة عند العرب.

وقد استهوت القصيدة الكثير من الكُتاب في الشعر والسياسة والمقال الصحفي والسخريات الصغيرة، فالكثيرين جعلوها مقياساً للنقد للمجتمعات الإستهلاكية العربية التي أورثتنا السقوط وأرجعتنا القهقرى وأفرغت مخازن أسلحتنا بعد أن أصابها الصدى تجارة رابحة لتاجر (الخُردة) وجعلت أرصدتنا من حصاد النفط تمويلاً في بنوك الصهاينة يستغلونه في هجمة مرتدة لشراء ذمة الحكام والنخب والأحزاب وبيع دماء الشعوب.
ومن التعريفات الشائعة عن المثقف العربي الذي اختار بطواعية تحت انحداره الأخلاقي وخيانته لأمته ليصبح بطانة وكومبارس في بلاط السلطان العربي المفروض المرفوض، هذا المخلوق الموشى ذهباً الذي أصبح لا يُجِيدُ موهبة الانتصار ولا فن الهزيمة.
قال الشاهد:
نهض هذا المثقف العربي من نومه قلقاً وبعد أن راجع مفكرة المواعيدة بالآيفون النسخة الأمريكية، فقد تذكر اجتماع سيده مع ممثل الإتحاد الأوروبي، فذهب إلى الحمام التركي واغتسل بالشامبو الفرنسي ولبس ثيابه الكورية، وامتطي حذاءه الإيطالي وكان أن ينسى ساعته السويسرية الفاخرة وقدمت له خادمته الفلبينية فطوره الإنجليزي المُحلَى بالعسل البلغاري والجبنة الدينماركية بعدها أتت له بقهوته البرازيلية وأخذ يحتسيها تحت ظلال السيموفونية السابعة لبيتهوفن، وطلب من السائق الهندي أن يحضر له سيارته الألمانية وأخرج أوراقه من حقيبته الإسبانية واستاذن أميره بعد اجتماعه بالسفير الأمريكي لإلقاء محاضرة بعنوان: (مقاطعة الغرب والاعتماد على الذات).