حسين خوجلي يكتب: مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان
1
دائماً ما كان يردد كبار الأطباء أن الطب يجري في العائلات، فإنك تجد الكثير من الأطباء قد ورثوا أبناءهم الطب فاكتسبوا علمه وتقاليده، وكذلك القِيم النبيلة عند القُضاة فإن زرعوها في أبناءهم ، فإن الحكمة والقضاء والعدل لا يموتون ولا يندثرون أبدا.
ومن لطائف الحكايات العربية عن ذلك الحكيم القاضي الذي وهب حياته وماله في الاصلاح بين الناس ،حتى صارت فيه طبعاً موهبه.
فقرأ عزيزي القارئ حكايته هذه مع ابنه الذي رباه فأحسن تربيته وكيف أجري معه هذا (الانتر فيو) الذي أهّلَه للولاية وجعل والده راضياً لا يخشي الموت حتى لو أتى بغتة.
يُحكى أن حكيماً من حكماء العرب كان مقصوداً محفوداً، يحتكم إليه الناس في الخصومات، ويستأنسون برأيه في الملمّات.. وكان الحكيم ذا مال كثير يذلل به العقبات بين المتصالحين، ويؤنس به المحتاجين، لكنه لم يُرزق إلا بولد واحد، فأحسن تربيته وتأديبه من صغره، إلى أن شب رجلاً بين الناس!
وفي ذات يوم جلس الحكيم شارد الذهن، وعلامات الحزن بادية عليه.
فسأله ابنه: ما بك يا أبتِ؟، وعلام هذا الحزن بادٍ على محيّاك؟
قال الحكيم: أما إني حين أفكّر أني سأصير إلى التراب، وأنّ هذا البيت سيُغلق في وجوه المتخاصمين، وليس من يقضي بينهم؛ أحزن.
فقال ابنه: أطال الله عمرك يا أبي، وبعد عُمرٍ طويل أنا أقضي بين الناس، ولن يُغلق هذا البيت أبداً!
فقال الحكيم: أي بُنيّ، ما أنت فاعل إذا تخاصم عندك كريم وبخيل؟
فقال الولد: “آخذ من الكريم، وأعطي البخيل؛ فإن الكريم ينفق على الناس من غير خصومة، أفلا يرضى أن ينفق وقد صار خصماً!
تبسم الأب، وبدت علامات الإعجاب بولده على محيّاه، ثم قال له من ثغر باسم:
أخبرني ماذا تفعل إن تخاصم عندك بخيلان؟
فقال: أدفع من جيبي وأصلح بينهما.
فقال الأب وقد زاد إعجابه بابنه:
وماذا تفعل إذا تخاصم إليك كريمان؟
فقال الولد: يا أبتِ كريمان لا يختصمان، وإن اختصما فساعة شيطان، ثم يعود كلٌ منهما إلى أصله؛ فلا يحتاجان حكماً بينهما!
فقال الأب: أنت ابن أبيك؛ ومن أنجب مثلك ما ضره لو مات من ساعته!
2
من وصايا الوردي التي يجب أن نمنح كتبه لأساتذه التاريخ قبل دخولهم للحصة الأولى ،وليت الزمن يسعفنا لأن نكتب بعد أيام إن شاء عن سيرة الرجل وكتبه واجتهاداته. يقول علي الوردي:
إننا ندرس التاريخ لكي نستفيد لحاضرنا ومستقبلنا. هذا هو مقصد الشعوب الحية من دراسة التاريخ، ومن السخرية آن نتجادل على أمر مضى عليه ثلاثة عشر قرنا من غير آن ننتفع منه لحاضرنا أو مستقبلنا شيئا.
3
هنالك نصائح كثيرة لأمر الحرب والمفاوضات تصلح هذه الأيام أن يتداولها القيادات السياسية والعسكرية وهي على اختصارها يمكن أن تفيض وتصلح بحوث وكتابات أو مشاريع عمل فكر يصلح في إعانة البلاد والعباد:
الحرب أقل كلفة بكثير من الاستسلام والمهادنة. 1-
2- الخسائر التي تقدم في الحرب أكبر بكثير من التنازلات التي تقدم في المفاوضات.
3- الخسائر التي تقدمها اليوم أقل بكثير من الخسائر التي تقدمها غدا.
4- تأجيل المواجهة فرصة للعدو.
4
يقول أهل الاداب إن لم تكن شاعراً فكن ظريفاً وصاحب بديهة فهو فن لا يقِل إبداعاً من القريض، بل أن صاحبه ينال نفس الجائزة مع ابتسامة عريض للخليفة.
قيل أنه :نظر رجل طفيلي إلى قوم ذاهبين فاعتقد أنهم فى دعوة إلى وليمة، فقام وتبعهم، فإذا هم شعراء قد قصدوا السلطان بمدائح لهم فلما أنشد كل واحد شعره وأخذ جائزته لم يبق إلا الطفيلي وهو جالس ساكت،
فقيل له أنشد شعرك!
فقال: لست بشاعر
قيل: فمن أنت؟
قال من الغَاوِين، الذي قال الله فيهم (وَالشُّعَرَاءُ يَتبعُهُمُ الْغَاوُونَ) فضحك السلطان من رده وأمر له بجائزة.
5
ابن القيم الجوزية من أصحاب التصانيف الموثقة بلغة مزيج ما بين الأدب العلم والفقه مما أكسابها ذيوعاً وشهرة وتأثيراً بالغاً، بين العلماء والأدباء.
ومن كتبه المشهورة عند أهل العلم في بدايات طريقهم السالك صوب المعارف كتابه الشهير( زاد المعاد) و(الفوائد) وغيرها وقد استفاد أصحاب المجالس العلمية من نوادر العلمية التي تحفز العقل لأهل التدبر والفتوى ومنها حُكمه الذكي بين أم وأب تنازعا في كفالة ابنهما.
قيل أن:
تنازع أبوان صبيًّا عند بعض الحكّام، فخيَّره بينهما، فاختار الصبي أباه.
فقالت له أمه: سلْه لأي شيء يختار أباه؟
فسأله، فقال الصبي: أمي تبعثني كل يوم للكُتّاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان.
فقضى به للأم، وقال: أنتِ أحق به.
6
كان البهاء زهير الشاعر يغار على زوجته غيرةً شديدة، حتى إنه كان يغار أن يُذكر اسمها أمام الناس، مخافة أن تمرّ حروف اسمها على آذان الأغراب ، فكان إذا أراد الحديث عن أمرٍ يخصها أمام الآخرين، قال: بعض الناس قالوا وفعلوا.
وقد كتب بيتين من الشعر، يعدّهما النقّاد العرب أغيَر بيتين كُتبا:
وأنزِّهُ اسمَكِ أنْ تمرَّ حروفُهُ،
من غيرتي بمسامعِ الجُلّاسِ
فأقولُ: بعضُ الناسِ عنكِ كِنايةً،
خوفَ الوُشاةِ، وأنتِ كُلُّ الناسِ
حاشية:
ومن نوادر السودانيين حول حكايات الكبار:
أن الفريق إبراهيم عبود كان عريساً وشَرَّف حفلة بالمسرح القومي وكان فاصلة الغناء التي قدمها المذيع الداخلي لعبد العزيز محمد داؤود وكان الفريق عبود من المعجبين به الكاشف.
ومن ظُرف عبدالعزيز المعهود أن اقترب من الرئيس عبود وقال له هامساً نبدأ الغناء بي شنو يا سعادتو؟
فقال له عبود بابتسامة ولطف: اجعل الغنية الاولى
(حِلو درب الطير فوق زولتنا)
وكان زوجة الرئيس هي السيدة الفُضلى سكينة أبو الروس، الأغنية الشعبية الشهيرة هي :
(حِلو درب الطير في سكينة).
وهذا يعني أن البهاء ليس وحده بهذا المسلك اللطيف والمهذب.
7
كان رجل الأعمال والإحسان والعطاء الراحل عبدالمنعم محمد الذي وثق لذكره محمد المهدي المجذوب في قصيدة (المولد) قائلاً :
وزهى ميدان عبدالمنعم
ذلك المحسن حياه الغمام
وعبدالمنعم محمد غير نجاحه الباذخ في مجال الأعمال والثراء والتجارة المنتجة، إلا أن سيرته في عمل الخير كانت أشهر من نجاحاته التجارية، فكثير من المؤسسات الخيرية تبناها وقام بها وحرض الأثرياء لاتباع هذا الطريق الراشد لخدمة المجتمع، وللرجل كثير من الاوقاف التي جعلها إرثاً مفتوحاً حسب الشرع للفقراء واليتامى والمساكين من أبناء شعبه.
وعُرف عن الرجل حبه للأدب والشعر والمآثر وكرائم الأخلاق، وكان يحفظ الكثير من أشعار الحكمة والوعظ وذم الدنيا والحث على الخير، وكان دائماً ما يتعزى بأشعار الشافعي صاحب المذهب وأبو العتاهيه الذي نبغ في القصائد الملتزمة آخر أيامه.
رحح الله الجميع ومن القصائد المحببه إلى عبدالمنعم محمد قصيدة أبو العتاهية التي نُورِدها كاملة والبيت الذي يصلح لها عنواناً :
وَفي الناسِ شَرٌّ لَو بَدا ما تَعاشَروا
وَلَكِن كَساهُ اللَهُ ثَوبَ غِطاءِ
يقول أبو العتاهية
لَعَمرُكَ ما الدُنيا بِدارِ بَقاءِ
كَفاكَ بِدارِ المَوتِ دارَ فَناءِ
فَلا تَعشَقِ الدُنيا أُخَيَّ فَإِنَّما
تَرى عاشِقَ الدُنيا بِجُهدِ بَلاءِ
حَلاوَتُها مَمزوجَةٌ بِمَرارَةٍ
وَراحَتُها مَمزوجَةٌ بِعَناءِ
فَلا تَمشِ يَوماً في ثِيابِ مَخيلَةٍ
فَإِنَّكَ مِن طينٍ خُلِقتَ وَماءِ
لَقَلَّ امرُؤٌ تَلقاهُ لِلَّهِ شاكِراً
وَقَلَّ امرُؤٌ يَرضى لَهُ بِقَضاءِ
وَلِلَّهِ نَعماءٌ عَلَينا عَظيمَةٌ
وَلِلَّهِ إِحسانٌ وَفَضلُ عَطاءِ
وَما الدَهرُ يَوماً واحِداً في اختِلافِهِ
وَما كُلُّ أَيّامِ الفَتى بِسَواءِ
وَما هُوَ إِلّا يَومُ بُؤسٍ وَشِدَّةٍ
وَيَومُ سُرورٍ مَرَّةً وَرَخاءِ
وَما كُلُّ ما لَم أَرجُ أُحرَمُ نَفعَهُ
وَما كُلُّ ما أَرجوهُ أَهلَ رَجاءِ
أَيا عَجَباً لِلدَهرِ لا بَل لِرَيبِهِ
تَخَرَّمَ رَيبُ الدَهرِ كُلَّ إِخاءِ
وَمَزَّقَ رَيبُ الدَهرِ كُلَّ جَماعَةٍ
وَكَدَّرَ رَيبُ الدَهرِ كُلَّ صَفاءِ
إِذا ما خَليلٌ حَلَّ في بَرزَخِ البِلى
فَحَسبي بِهِ نَأياً وَبُعدَ لِقاءِ
أَزورُ قُبورَ المُترَفينَ فَلا أَرى
بَهاءً وَكانوا قَبلُ أَهلَ بَهاءِ
وَكُلٌّ رَماهُ واصِلٌ بِصَريمَةٍ
وَكُلٌّ رَماهُ مُلطِفٌ بِجَفاءِ
طَلَبتُ فَما أَلفَيتُ لِلمَوتِ حيلَةً
وَيَعيا بِداءِ المَوتِ كُلُّ دَواءِ
وَنَفسُ الفَتى مَسرورَةٌ بِنَمائِهَ
وَلِلنَقصِ تُنمي كُلُّ ذاتِ نَماءِ
وَكَم مِن مُفَدّاً ماتَ لَم أَرَ أَهلَهُ
حَبَوهُ وَلا جادوا لَهُ بِفِداءِ
أَمامَكَ يا نَدمانُ دارُ سَعادَةٍ
يَدومُ النَما فيها وَدارُ شَقاءِ
خُلِقتَ لِإِحدى الغايَتَينِ فَلا تَنَم
وَكُن بَينَ خَوفٍ مِنهُما وَرَجاءِ
وَفي الناسِ شَرٌّ لَو بَدا ما تَعاشَروا
وَلَكِن كَساهُ اللَهُ ثَوبَ غِطاءِ
