
مهدي الشريف .. ترزي الأناقة في الزمن الجميل
بروفايل
مهدي الشريف… ترزي الأناقة في الزمن الجميل
بقلم: هشام هباني
لم يكن الأستاذ مهدي الشريف مجرد خياطٍ ماهر يفصل القمصان والبنطلونات والبدلات، بل كان واحدًا من كبار صُنّاع الأناقة الرجالية في السودان، ورائدًا حوّل مهنة الترزية من حرفة يدوية بسيطة إلى فن يقوم على العلم والدقة والابتكار واحترام الزبون.
ينحدر مهدي الشريف من منطقة ود رملي، ونشأ في ظروف أسرية شديدة القسوة. فقد والده في طفولته، وعاش الفقر والجوع والتنقل بين مدارس حي العرب وود نوباوي والأميرية في أم درمان. وكان يذهب إلى المدرسة أحيانًا من دون ثمن الإفطار أو ما يكفيه من الملابس، ثم عمل وهو صغير في مخبز «العالم» بأبروف حتى يستطيع إعالة نفسه ومواصلة حياته. وقد ظل طوال سيرته يذكر بالوفاء شقيقته سكينة الشريف إدريس، التي كانت ترسل إليه من قلة ذات يدها قروشًا معدودة، بل باعت ذات مرة إحدى أغنامها لتوفر له نفقات الطعام.
من أبروف إلى عطبرة
في شبابه مارس كرة القدم في فريقي أبروف والوادي. ثم انتقل سنة 1959 تقريبًا مع خاله إلى عطبرة، المدينة العمالية التي تركت أثرًا عميقًا في وعيه وشخصيته. وهناك تعرّف إلى عالم السكك الحديدية والثقافة العمالية والندوات والمسرح والغناء الوطني، وتأثر بالفنان حسن خليفة العطبراوي وأغانيه المناهضة للاستعمار والداعية إلى الصمود والكرامة. وقال لاحقًا إن عطبرة كانت محطة أساسية في تكوينه الوطني والاجتماعي.
دخوله عالم الترزية
دخل مهدي الشريف عالم الخياطة مصادفة. بدأ التدريب عند أحد الخياطين، لكنه شعر بعد ستة أشهر بأنه لم يتعلم شيئًا، فغادر وبحث عمن يعلمه المهنة بصورة حقيقية. كانت بدايته متواضعة داخل زقاق في السوق القديم، وتعرض للسخرية والفشل، لكنه ظل واثقًا من قدرته على النجاح.
ساعده التاجر عبد العظيم عاشور في الحصول على أول ماكينة خياطة بالتقسيط، فبدأ مشواره المهني الجاد. ويروي مهدي الشريف أن أول قميص صنعه كان لشاب يستعد لحضور حفل زفاف في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وقد بقي ذلك القميص حاضرًا في ذاكرته لأنه منحه أول شعور بالثقة في موهبته.
وفي أول موسم رمضان نجح فيه مهنيًا، عمل حتى صباح العيد وجمع ثلاثة وعشرين جنيهًا، ثم عاد إلى ود رملي واشترى كسوةً لوالدته وشقيقته، إضافة إلى السكر والبن وحلوى العيد. كانت تلك اللحظة بالنسبة إليه أول إعلان حقيقي بأن سنوات الجوع والمعاناة بدأت تتحول إلى نجاح.
صعود اسم «مهدي الشريف»
افتتح لاحقًا دكانًا قرب النيل في أبروف، ثم انتقل إلى مواقع أخرى في أم درمان. ومع جودة عمله بدأ الزبائن يتوافدون عليه من أحياء العاصمة ومن مختلف أنحاء السودان، حتى أصبح اسمه علامةً تجارية معروفة في عالم الخياطة الرجالية. وقد وصلت شهرته في بعض الفترات إلى درجة تنظيم صفوف الزبائن أمام محله.
لم يكتفِ مهدي الشريف بما تعلمه محليًا، بل سافر إلى لندن وألمانيا، وزار المعارض المتخصصة ليتابع أحدث تقنيات الخياطة والموضة. وأدخل إلى ورشته معدات ووسائل حديثة، منها المواد اللاصقة والمكابس الحرارية وبعض تقنيات تثبيت القماش التي قللت الاعتماد على الإبرة التقليدية ورفعت مستوى الدقة والجودة.
وكان يرفض الخطأ حتى لو لم يتجاوز نصف سنتيمتر، ويرى أن الخياطة ليست قصًا وخيطًا فقط، بل قراءة لشخصية الزبون وجسمه وحركته. وقد وصف الخياطة بأنها علم وفن ومسؤولية، وقال إن لحظة العمل عنده تشبه الخلوة والعبادة بما تتطلبه من صفاء وتركيز وإتقان.
ترزي الشخصيات والمشاهير
ارتبط اسم مهدي الشريف بعدد من الشخصيات السياسية والفكرية والاجتماعية البارزة. ومن بين زبائنه الذين ذكرهم: لام أكول، وعبد الرحيم حمدي، والدكتور منصور خالد، والإمام الصادق المهدي. كما عُرف في الأوساط العامة بلقب «ترزي المشاهير».
وتحدث باعتزاز عن علاقته بالإمام الصادق المهدي، مشيرًا إلى أنه كان يتولى تفصيل بعض ملابسه، وأن العلاقة بينهما تطورت من علاقة خياط بزبونه إلى صلة اجتماعية وأسرية. كما أهداه الإمام خاتمًا ظل مهدي الشريف يحتفظ بقيمته المعنوية والتاريخية.
المعلم الذي نقل خبرته إلى الآخرين
لم يحتفظ مهدي الشريف بخبرته لنفسه، بل عمل مدربًا ومرشدًا لجيل جديد من الخياطين. درّب طلابًا في معهد بشائر ابتداءً من الإمساك بالإبرة وصولًا إلى إنتاج الملابس وبيعها في الأسواق، وأصبح بعض من تعلموا على يديه أصحاب محلات وعلامات معروفة. وكان يرى أن نجاح تلاميذه امتداد لرسالته، حتى عندما لم يتلقَّ التكريم الذي يستحقه.
وكان شديد الاهتمام بمستقبل صناعة الملابس في السودان، وانتقد إهمال الدولة للمصانع المحلية وانتشار الملابس المستعملة والرخيصة على حساب الإنتاج الوطني والحرفة المتقنة. وقد ذكر أن عشرات المصانع توقفت أو انهارت، ورأى في ذلك خسارة اقتصادية ومهنية كبيرة للبلاد.
فلسفته في المهنة
كان مهدي الشريف يقول إن الترزي هو أقرب الصنايعية إلى زبونه، لأن العلاقة بينهما تمر بقياس الجسم والبروفات المتكررة والحوار حول الذوق والمناسبة. ولذلك كانت النظافة والتهذيب والأمانة عنده جزءًا من جودة الخياطة، وكان يرفض أن يقتطع الخياط شيئًا من قماش الزبون لمصلحته، مؤكدًا أن من يفعل ذلك لا يستحق اسم «ترزي».
وكان يراقب تفاصيل الملابس في الشارع بصورة تلقائية، ويدقق في طول البنطلون واستقامة الجاكيت وانسجام القماش مع الجسم. وقد جعلته هذه الملاحظة المستمرة قادرًا على تطوير أسلوبه وصناعة مدرسة خاصة به في القياس والتفصيل.
خاتمة الوفاء
إن سيرة مهدي الشريف ليست حكاية خياط مشهور فحسب، بل حكاية طفل يتيم حاصرته الحاجة، فواجه الجوع بالعمل، والسخرية بالصبر، والفشل بالثقة، حتى أصبح اسمه عنوانًا للأناقة السودانية.
لقد مثّل جيلًا من الحرفيين الذين كانت المحلات في زمانهم مدارس للأخلاق والمهنية، وكان الصانع يحمي سمعته بالإتقان والموعد والكلمة الطيبة. وبفضل أمثاله لم تكن البدلة مجرد ثوب، بل صورةً للهيبة والذوق واحترام المناسبة.
مهدي الشريف هو ترزي الأناقة في الزمن الجميل، وأحد الرجال الذين صنعوا مجدهم بالإبرة والمقص والصبر، فاستحق أن يُحفظ اسمه في ذاكرة أم درمان وتاريخ الحرف والصناعات السودانية.
ملاحظة توثيقية: لا تتوافر في المصادر المنشورة التي عثرتُ عليها معلومات مؤكدة عن تاريخ ميلاده الكامل أو تفاصيل أسرته وتعليمه وتاريخ افتتاح محله الأول؛ ولذلك تجنبتُ الجزم بما لم يثبت. ويمكن استكمال السيرة بشهادات أسرته وتلاميذه وصور محلاته ووثائقه القديمة.
