عامر باشاب يكتب: ما بين (الكنكشة) وأدب الاستقالة

قُصر الكلام

عامر باشاب

ما بين (الكنكشة) وأدب الاستقالة

الاستقالة ثقافة راقية وأدب رفيع يعمل به قادة الدول في البلاد المتحضرة، وحتى في كثير من البلدان النامية هناك قادة متحضرون، رؤساء دول ووزراء غادروا مناصبهم بأخلاق القيادة وبأدب الاستقالة، وعبروا بذلك عن مدى احترامهم وتقديرهم للتكليف وتحملهم للمسؤولية، عبر الاعتراف بالفشل والإحساس بالذنب من الخطأ حتى وإن كان خطأً بسيطاً، ثم إتاحة الفرصة لآخرين غيرهم لتولي المسؤولية لتحقيق الهدف المنشود لخدمة الوطن والمواطن بالتميز والجودة الشاملة.
وللأسف الشديد قادة الدولة عندنا في السودان لا يتمتعون بهذا الأدب الراقي في التنحي الاعترافي والأخلاقي، بل على العكس تماماً فإنهم، أي قادتنا، منكوبون بحمى (الكنكشة) في الكراسي، لا يغادرونها مهما حدث من أخطاء، ورغماً عن تراكم الإخفاقات وتوالي الفشل وتكاثر الفساد تجدهم في أماكنهم مجمدين في المناصب بفشلهم وبرودهم وثقالتهم.
وفي المساحة القادمة أقودكم إلى خارج الحدود حيث تجارب أو نماذج حية في أدب الاستقالة، أبطالها وزراء ومسؤولون استقالوا لأسباب قد تبدو بسيطة أو غير متوقعة، لكنهم فضّلوا تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية. نبدأ بالدول الأوروبية: (السويد – 1995): استقالت نائب رئيس الوزراء “مونا زيلبر” بعد الكشف عن استخدامها بطاقة الائتمان الحكومية لشراء أغراض شخصية بسيطة، منها شوكولاتة “توبليرون”، ورغم أنها سددت المبلغ لاحقاً، إلا أن الضغط الأخلاقي دفعها للاستقالة.
(بريطانيا – 2018): قدّم وزير الدولة بوزارة الداخلية “مايكل بيتس” استقالته علناً وبشكل مفاجئ لمجرد تأخره بضع دقائق عن بدء جلسة الأسئلة في مجلس اللوردات، معتبراً ذلك قلة احترام للمجلس (ورفضت رئيسة الوزراء استقالته لاحقاً).
(السويد – 2002): استقالت وزيرة الشؤون الأوروبية “سيسيليا مالمستروم” بعد رصدها تستخدم هاتف العمل لإرسال رسائل نصية شخصية بعثتها أثناء إجازتها السنوية.
ومن أوروبا ننتقل للوطن العربي:
(الأردن – 2011): استقال وزير التربية والتعليم والتعليم العالي “خالد الكركي” من منصبه على خلفية خطأ غير مقصود في احتساب بعض درجات شهادة الثانوية العامة (التوجيهي)، متحملاً المسؤولية الأدبية عن الخطأ الفني لمؤسسته.
(تونس – 2021): استقال المعتمد الأول لولاية باجة “توفيق ارحومة” بعد يوم واحد فقط من تعيينه، بسبب موجة انتقادات وسخرية على منصات التواصل الاجتماعي حول كفاءته، ففضّل الانسحاب فوراً لمنع التشويش على العمل العام.
آخر الكلام بس والسلام:
تخيل تلك الأسباب البسيطة دفعهم الضغط الأخلاقي للاستقالة والتنحي، وعندنا في السودان الضغوط الاقتصادية طحنت المواطن والجنيه السوداني في حالة هبوط مستمر، هبط أكثر من غنيات “طه سليمان”، و(الدولار قرب يصعد مع رواد الفضاء، وما زال وزير المالية عندنا متوهط بالبدلة العسكرية كمان، والكهرباء قاطعة على طول الخط ليل نهار، وكل أحياء الخرطوم ابتلعها الظلام، وما زال وزير الكهرباء موجود بكل البرود، واشتراك غالبية ولاة الولايات في الفشل الجماعي وعدم القدرة على إنجاز مشاريع تنموية تخدم المواطن وتسهل له أمر معيشته، وأضاف إلى ذلك روائح طفوحات الفساد، ورغم ذلك ما زالوا مكنكشين في مناصبهم، متطورين في الإخفاقات والثقالة، ولا يعرفون شيئاً عن أدب الاستقالة والضغط الأخلاقي.