حسن بشير يكتب: حرب المخدرات وزرع الفتن والشقاق

ضربة جزاء

حسن بشير

حرب المخدرات وزرع الفتن والشقاق

في الحروب القديمة كانت الجيوش تتقدم بالدبابات والطائرات، وكانت المدن تُقصف والجسور تُدمر، وكان العدو واضح المعالم. أما اليوم، فقد تغيرت أساليب الحروب، وأصبحت أكثر تعقيدًا وأشد خطرًا، لأنها تستهدف الإنسان قبل الحجر، والعقل قبل الأرض، والقيم قبل الحدود. ومن أخطر هذه الأساليب انتشار المخدرات، وبث الشائعات، وإشعال الفتن، وتمزيق النسيج الاجتماعي، حتى ينهار المجتمع من الداخل دون أن تُطلق عليه رصاصة واحدة.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن انهيار الدول لا يبدأ دائمًا من هزيمة عسكرية، بل قد يبدأ عندما يفقد الشباب بوصلتهم، وتضعف الأخلاق، وتتراجع الثقة بين الناس، وتنتشر الكراهية، ويصبح المجتمع منقسمًا إلى معسكرات متخاصمة. عندها يصبح الوطن ضعيفًا مهما امتلك من إمكانات.
المخدرات ليست مجرد مادة محرمة أو جريمة يعاقب عليها القانون، بل هي مشروع لتدمير الإنسان. فهي تقتل الطموح، وتسرق العقل، وتدمر الصحة، وتفكك الأسرة، وتزيد معدلات الجريمة والعنف، وتستنزف الاقتصاد. والمدمن لا يكون وحده الضحية، بل تمتد آثار الإدمان إلى والديه وأبنائه وأصدقائه ومجتمعه بأسره.
وفي الوقت نفسه، تعمل الفتن على تحقيق الهدف ذاته بوسيلة مختلفة. فإثارة العصبيات، ونشر الشائعات، وتأجيج الخلافات، وإضعاف الثقة بين أبناء الوطن، كلها أدوات تهدد السلم الاجتماعي. وما يبدأ بخبر كاذب أو منشور محرض قد ينتهي بخصومات طويلة، أو عنف، أو قطيعة بين أبناء المجتمع الواحد.
ولا يخفى على أحد أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة مفتوحة تنتقل عبرها الأخبار الصحيحة والمضللة معًا. لذلك أصبح التثبت من المعلومات، وعدم الانسياق خلف الشائعات، واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، لأن الكلمة قد تبني وطنًا، وقد تهدم مجتمعًا إذا استُخدمت بغير مسؤولية.
إن مكافحة المخدرات لا تكون فقط عبر الضبط والملاحقة، رغم أهمية ذلك، وإنما تحتاج إلى بناء الإنسان. فالتعليم الجيد، والتربية السليمة، واحتواء الشباب، وتوفير فرص العمل، ودعم الأنشطة الرياضية والثقافية، كلها وسائل تحصن المجتمع من الوقوع في براثن الإدمان والانحراف.
كما أن مواجهة الفتن تتطلب نشر ثقافة الحوار، واحترام التنوع، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وتعزيز قيم التسامح والتكافل، حتى يبقى المجتمع متماسكًا في مواجهة كل من يسعى إلى زرع الفرقة بين أبنائه.
إن الأسرة هي الحصن الأول، فهي التي تكتشف التغيرات في سلوك الأبناء، وتغرس فيهم القيم منذ الصغر. والمدرسة شريك أساسي في التربية، والمسجد منارة للإصلاح، والإعلام مسؤول عن نشر الوعي، بينما تضطلع مؤسسات الدولة بمسؤولية تطبيق القانون بعدالة وحزم، وتجفيف منابع الجريمة، وحماية المجتمع.
ويحتاج الشباب اليوم إلى القدوة الصالحة أكثر من حاجتهم إلى كثرة المواعظ. فهم يتأثرون بالفعل أكثر من القول، ويريدون أن يروا نماذج ناجحة في العمل، والعلم، والأخلاق، وخدمة المجتمع، حتى يدركوا أن المستقبل يُبنى بالاجتهاد لا بالإدمان، وبالوحدة لا بالفرقة.
إن السودان، بما يملكه من تاريخ عريق وتنوع ثقافي واجتماعي، قادر على تجاوز التحديات إذا حافظ أبناؤه على وحدتهم، ورفضوا كل دعوات الكراهية، ووقفوا صفًا واحدًا ضد تجارة المخدرات، وضد كل من يحاول استغلال الظروف لإضعاف المجتمع أو بث الفوضى.

ضربة جزاء:

حين يعجز أعداء الأوطان عن كسر إرادة الشعوب في ميادين المواجهة، قد يحاولون استهدافها من الداخل بإفساد العقول، وإشاعة الفتن، وتمزيق الصفوف. ولذلك فإن الانتصار الحقيقي لا يكون فقط بحماية الحدود، وإنما بحماية الإنسان، وصيانة وعيه، وترسيخ وحدته، لأن الأوطان التي يلتف أبناؤها حول قيمهم ومبادئهم، تبقى عصية على كل محاولات الهدم، مهما تنوعت الوسائل وتبدلت الأساليب.