
يوسف محمد الحسن يكتب: الامتاع في القطاع!!
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
الامتاع في القطاع!!
لم يكن الهلال يوماً مجرد فريق لكرة القدم، بل كان مؤسسة رياضية متكاملة، حملت اسم السودان في المحافل، وفتحت أبوابها لمختلف المناشط الرياضية والثقافية والاجتماعية، حتى صار نموذجاً للنادي الذي يصنع الأبطال في أكثر من ميدان، لا داخل المستطيل الأخضر وحده.
لكن الهلال حاليا فقد كثيراً من ملامحه، واختزل نفسه في صورة ضيقة، حتى أصبح مجرد فريق كرة قدم… لا أكثر.
والمفارقة أن عبارة (القطاع الرياضي) باتت تثير السخرية لأن أول سؤال يتبادر إلى الذهن أي قطاع رياضي؟ وهل بقي في الهلال أصلاً ما يُسمى قطاعاً رياضياً غير كرة القدم؟.
الحقيقة مؤلمة.. فلا كرة سلة، ولا كرة طائرة، ولا ألعاب قوى، ولا مناشط ثقافية أو اجتماعية لها وجود مؤثر. كل شيء اختفى، ولم يبق سوى فريق الكرة الذي ابتلع النادي كله.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح القطاع الرياضي عملياً في يد الأخ العليقي، ليس لأنه استولى عليه، وإنما لأنه ببساطة آخر من بقي في ساحة خلت من الجميع فلا توجد قطاعات أخرى، ولا إدارات تنافس أو تتكامل، ولا أنشطة تحتاج إلى توزيع للأدوار، فأصبح الرجل في واجهة المشهد وحده، بينما يقف بقية أعضاء المجلس على الرصيف.
وهنا يفرض السؤال نفسه إذا كان الهلال لا يملك سوى فريق كرة القدم، فما الدور الحقيقي لبقية أعضاء المجلس؟ وهل يليق بنادٍ بحجم الهلال أن يقتصر دور أعضائه على حضور الاجتماعات، والتوقيع على المحاضر، والتقاط الصور، وانتظار فرصة رئاسة بعثة خارجية؟.
المشكلة ليست في الأشخاص، وإنما في الفكرة نفسها
فالقطاع الرياضي الذي يفترض أن يكون القلب النابض لكل مناشط النادي، أصبح مرادفاً لفريق الكرة فقط، بينما تحولت بقية المناصب إلى مسميات بلا مضمون، ووظائف بلا مهام حقيقية.
والأخطر من ذلك أن المناصب الفنية أصبحت مطمعاً للإداريين لأنها الأكثر ظهوراً تحت الأضواء، في الوقت الذي غاب فيه أصحاب الخبرة الفنية، وأُبعد قدامى اللاعبين عن مواقعهم الطبيعية، رغم أنهم الأقدر على تقييم العمل الفني وتطويره.
بل إن مقعد قدامى اللاعبين، الذي كان جزءاً أصيلاً من النظام الأساسي للهلال، اختفى تماماً، ليحل محله إداريون لا يملكون رصيداً فنياً يؤهلهم لإدارة هذا الملف الحساس.
الهلال اليوم يبدو أشبه بشركة عملاقة لا تضم سوى قسم واحد. فلا تسويق بالمفهوم المؤسسي، ولا استثمار متكامل، ولا إدارة للمناشط، ولا رؤية لتوسيع قاعدة النادي كل شيء يدور حول فريق الكرة، ولذلك يصبح من الطبيعي أن يبرز اسم إداري واحد، لكن غير الطبيعي أن يغيب دور بقية المنظومة بالكامل.
لسنا هنا بصدد البحث عن صدام أو هدم للاستقرار، وإنما نبحث عن تصحيح مسار. لأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على المجاملات، بل على وضوح المسؤوليات، وتوزيع الاختصاصات، وبناء مؤسسة تعمل حتى في غياب الأفراد.
فالمسميات الحالية أصبحت مضللة، والأدوار مشوهة، والوظائف فارغة من مضمونها، بينما يستمر الوهم بأن الهلال مؤسسة رياضية متكاملة، والحقيقة أنه لا يملك اليوم سوى نشاط واحد.
الهلال الذي نعرفه لا يمكن أن يكون مجرد فريق يطارد بطولة كل موسم. إنه أكبر من ذلك بكثير. هو مؤسسة يجب أن تُخرّج الأبطال في كل الألعاب، وأن تستثمر في الشباب، وأن تمنح قدامى نجومها مكانهم الطبيعي، وأن تبني إدارات تعمل بعقلية المؤسسات، لا بعقلية الشخص الواحد.
فإذا استمر الحال كما هو، فلن يكون الهلال سوى فريق كرة يعيش على نتائج المباريات؛ يفرح بانتصار، وينهار مع أول خسارة.
أما الهلال الذي نحلم به، فهو قلعة رياضية حقيقية تتوزع فيها الأدوار، وتتكامل فيها الخبرات، وتُبعث فيها المناشط من جديد، ويصبح لكل عضو في مجلس الإدارة ملف واضح يُحاسب عليه، لا لقباً بروتوكولياً يتزين به.
الهلال أكبر من أن يُختزل في قطاع واحد، وأكبر من أن تُدار مؤسساته بعقلية فردية فهو تاريخ، ووجدان، وذاكرة وطن، والمؤسسات العظيمة لا تُبنى بالأضواء، وإنما بالتخطيط، وتوزيع المسؤوليات، وإحياء كل مفاصل العمل.
وما نقوله عن الهلال اليوم، لا يبتعد كثيراً عن واقع معظم أنديتنا؛ غير أن الفارق الوحيد، أن الهلال ما زال يملك فريق كرة ينافس، أما كثير من الأندية الأخرى، فقد فقدت حتى آخر ما كانت تتكئ عليه، ولذلك فإن إصلاح الهلال لن يكون خدمة لنادٍ واحد، بل نموذجاً يحتاج إليه كل الوسط الرياضي السوداني.
باص قاتل:
القطاع الرياضي.. والباقي فاضي!!.
