الطيب كريم الدين يكتب: لكل جوادٍ كبوة، ولكل حسامٍ نبوة

لكل جوادٍ كبوة، ولكل حسامٍ نبوة

الطيب كريم الدين

 

(السيف أصدق أنباءً من الكتب، في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعب). والشاعر العباسي أبو تمام (حبيب بن أوس الطائي)، حين نظم قصيدته عقب فتح عمورية ومدح فيها الخليفة المعتصم بالله، ردَّ على المنجمين الذين زعموا أنه لا يمكن فتح عمورية، ووضع حدًّا لمغامرات بني الأصفر في ذلك الوقت، وأثبت أن الفعل والحزم بالسيف أصدق من تكهنات وترهات المنجمين، وأحسب أنه لا علاقة للعدة والعتاد بالنصر إن توفرت الإرادة الحرة لبلوغه، وهو ما عايشه المسلمون في يوم حنين حين اغترَّ عددٌ منهم بكثرة الجيش، ومنهم من قال: لن نهزم اليوم من قلة، ولم تغنِ عنهم شيئًا (كان قوامها 12 ألفًا)، ودارت رحى المعركة، ونجحت كمائن جيش هوازن في تشتيت جموع المسلمين، وكادوا أن يُهزموا، وانفضَّ الكثير من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبقَ معه أكثر من عشرة، وكان أمره لعمه العباس رضي الله عنه أن ينادي في أصحاب بدر، فتجمعوا حول النبي، وكانوا 66 من الأنصار و33 من المهاجرين، وتداركتهم رحمة الله، وأنزل عليهم السكينة، ونصرهم بجنود من عنده.
وما يُستفاد من ذلك ضرورة العمل بالأسباب والتوكل على الله مهما بلغت قوتك أو كان ضعفك، وعدم الاتكال على النفس والتسليم بالواقع مهما كان. والحرب التي دارت بالسودان خير شاهد على ذلك، فالعدة والعتاد والكثافة العددية للعدو والدعم اللوجستي والغطاء السياسي الخارجي، كل تلك الأشياء كانت كفيلة بتغيير الخارطة السكانية والعسكرية والسياسية به، لولا أن تداركته العناية الإلهية، وبعد ذلك الثقة التي منحها الشعب، وكامل التأييد للقيادة، والحصافة التي تمتعت بها تلك القيادة، وحسن إدارتها للمعركة، حتى انحسر المد المليشي الذي بات محصورًا في رقعة معينة، وسيتم القضاء عليه إن شاء الله في القريب العاجل إن حافظنا على ذات النهج الذي بدأنا به.
كانت كبوة البشير في تكوين مليشيا الدعم السريع، فلا تكن نبوة البرهان عدم الاستفادة من هذه الحرب، بل بالضرورة تبني رؤية إستراتيجية مغايرة عن تجارب الحكومات السابقة، وإعادة صياغة التوجهات، والاستفادة من تاريخ الدول التي دفعت أثمانًا باهظة بسبب الحروب الأهلية أو الإقليمية أو العالمية، وباتت الآن في طليعة الدول الصناعية والاقتصادية والعسكرية، كجمهورية الصين الشعبية وتجربة (ماو تسي تونغ)، برغم تعثرها في بداياتها، فقد أطر لمستقبل نراه الآن يسلب الإعجاب.
والصين في رحلة نهضتها استفادت من التقنية الروسية، واستعانت بخبرائها، فأوفدت واستجلبت، وتحقق لها الآن ما جعلها عماد العالم.
وكان الاعتماد على الزراعة والحديد سببًا في نهضتها، والسودان به أكثر من الذي كان متاحًا للصين، وأكثر ما يحتاج إليه مفجر ثورته ونهضته وريادته.