علي مؤمن: ما حدث للأطورو يرتقي إلى جرائم حرب

القيادي بجبال النوبة علي مؤمن ل (ألوان):

ما حدث للأطورو يرتقي إلى جرائم حرب

الحلو لا يعبأ بحياة الناس وتطورهم بقدر تمسكه باستمرار الحرب

تحالف الحلو مع الدعم السريع أضر بقضية جبال النوبة وأهلها

 

الحركة الشعبية تحولت من حامٍ للقضية إلى مصدر صراع مع المجتمعات المحلية

 

حوار: مجدي العجب

في حوارٍ صريح ومباشر، يفتح القيادي وزير الزراعة السابق والقيادي بجبال النوبة علي مؤمن ملفات شائكة حول عبدالعزيز الحلو والحركة الشعبية، متحدثاً عن تحالفها مع الدعم السريع، وما يصفه بتجارة الحرب واستغلال موارد المنطقة، ومتهماً قيادة الحركة بالمسؤولية عن إطالة أمد الصراع وتعميق معاناة المجتمعات المحلية. ويكشف مؤمن، في هذا الحوار، تفاصيل ما جرى في الأطورُو، وموقفه من الاتهامات بارتكاب انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب، داعياً إلى محاسبة كل من تورط في ظلم أهل جنوب كردفان.

 

 

الأستاذ علي مؤمن، بدايةً: ما الذي يريده عبدالعزيز الحلو؟

الحلو تولّى قيادة الحركة الشعبية بعد محاولة ابتزازية للاستقالة من الحركة إبان قيادة مالك عقار، في وقت كانت فيه الحركة موحدة تحت اسم الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال. ومنذ أمد بعيد، ظل الحلو، بخلفيته الشيوعية، حارساً لقضية أرى أنها لم تعد لها علاقة حقيقية بتنمية وتطوير جنوب كردفان، وإنما تحولت إلى مبرر لاستمرار الحرب والصراع.
فالحرب ظلت تدور في ولايتنا منذ العام 1985م، حينما هاجمت الحركة مناطق القردود وأم ردمي بمحافظة تلودي، ثم دخلت جبال النوبة، الأمر الذي أدى إلى عزل الولاية عن مختلف أشكال التنمية والتطوير، ولم تصلها إلا لماماً خلال فترة اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا» والسنوات التي تلتها، إلى أن اندلعت أحداث التمرد الأخيرة فيما عُرف بأحداث 6/6/2011م. والإجابة المباشرة عن سؤال: ماذا يريد الحلو؟ هي أن الحلو في الأساس صاحب خلفية شيوعية، ويتخذ من قضية جبال النوبة حصان طروادة لتحقيق أجندته السياسية والفكرية، دون أدنى اعتبار كافٍ لحياة الناس أو مستقبلهم أو حقهم في التنمية والاستقرار.
لذلك ظلت كاودا وجبال النوبة محبوسة في دائرة الحرب لأكثر من 43 عاماً، في واقع اتسم بالدمار والانغلاق، بدلاً من أن تتحول المنطقة إلى مساحة للتنمية والاستقرار والاستفادة من مواردها الكبيرة.

 

ماذا حدث بالضبط مع مجتمع الأطورو؟

 

الذي حدث هو أن الحلو، ومنذ أمد ليس باليسير، أصبح – من وجهة نظري – أحد أكبر تجار الحرب، واستغل موارد جبال النوبة، ومنها الذهب الموجود في مناطق هيبان والتيرا والأطورو والشواية وغيرها من المناطق.
وعندما اتفق مع قوات الدعم السريع، حاول الدخول بالأموال الكبيرة في تجارة الذهب، وتسليم خيرات تلك المناطق إلى حلفائه من الدعم السريع والإمارات، وهو أمر رفضته قبائل ومجتمعات المنطقة، ومن بينها مجتمع الأطورُو. وعندما رفض الأطورُو هذا الاتجاه، بدأت الضغوط عليهم، فتم تهديدهم أولاً، ثم بدأت عمليات اعتقال لقيادات منهم، وعلى رأسهم قيادات داخل الحركة نفسها، بسبب انتمائهم إلى مجتمع الأطورُو ومواقفهم الرافضة لما كان يجري.
ومع تطور الأمور، هاجمت الحركة الشعبية مجتمع الأطورُو، ووقعت جرائم وانتهاكات كبيرة، شملت القتل والتهجير القسري والنزوح وحرق الممتلكات والمنازل، الأمر الذي أدى إلى اندلاع انتفاضة الأطورُو ورفضهم لما يجري في مناطقهم.
وتطور الأمر لاحقاً إلى أن أصبح الأطورُو، بحسب ما هو قائم على الأرض، في وضع متقدم من السيطرة على مناطقهم، بل امتد الأمر إلى الهجوم على مناطق أخرى، من بينها كورجي وهيبان، وهي مناطق كانت الحركة الشعبية تسيطر عليها في محليتي أم دورين وهيبان.
وهذا التطور يؤكد أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة بين الحركة الشعبية والقوات المسلحة أو الدولة، وإنما أصبح صراعاً داخل المجتمعات المحلية نفسها، نتيجة للسياسات التي اتبعتها قيادة الحركة، خاصة في ما يتعلق بإدارة الموارد وعلاقاتها مع القوى الخارجية.

 

ما يفعله الحلو مع المجتمعات المحلية، هل يرتقي إلى جرائم حرب؟

 

نعم، ما يحدث، وفقاً لما وصلنا من معلومات وشهادات من المنطقة، يرتقي إلى جرائم حرب، إذا ثبتت هذه الوقائع وفق المعايير القانونية والقضائية المختصة. فمجتمع الأطورُو، كمواطنين سودانيين، تم استهداف مناطقهم بالقتل والتهجير القسري، وتدمير المدارس والمستشفيات ودور العبادة، فضلاً عن حالات الاختفاء القسري واعتقال الناشطين في العمل الإنساني.
ومن بين هؤلاء الناشطين نجوى، المعروفة لدى مجتمع كاودا ولدى مجتمع الولاية عامة، والتي ارتبط اسمها بالعمل الإنساني وخدمة المواطنين.
هذه الممارسات، إذا ثبتت مسؤولية الجهات التي ارتكبتها أو أمرت بها أو ساعدت عليها، فإنها تمثل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى إلى جرائم حرب، خصوصاً عندما تستهدف المدنيين ومقدراتهم ومؤسساتهم الخدمية ودور العبادة.
المشكلة أن المدني في جبال النوبة ظل يدفع ثمن هذه الحرب منذ عقود، مرة بسبب الحرب مع الدولة، ومرة بسبب الصراعات الداخلية، واليوم يدفع الثمن نتيجة الصراع بين الحركة الشعبية والمجتمعات المحلية نفسها.

 

ما هو رأي بقية قيادة الحركة الشعبية فيما حدث لمجتمعاتهم؟

 

قيادة الحركة الشعبية، وعلى رأسها الحلو، تحالفت مع قوات الدعم السريع، وهي القوات التي ارتبط اسمها بارتكاب انتهاكات واسعة ضد الشعب السوداني، ولذلك فإن هذه الفئات، خاصة الحلقة الضيقة المحيطة بالحلو، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عما يحدث للأهل في الولاية، طالما أنها مستمرة في هذا التحالف وفي هذه السياسات.
وأعتقد أن ما يحدث اليوم يمثل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من السياسات الخاطئة، لأن الحرب عندما تطول فإنها لا تدمّر الخصم وحده، وإنما تدمر المجتمع نفسه.
لقد عادت مناطق جبال النوبة إلى ما يشبه العصور المظلمة بسبب استمرار الحرب، وسنوات التجهيل المقصود، وصناعة الفقر والدمار، بدلاً من توظيف موارد المنطقة الكبيرة في التعليم والصحة والبنية التحتية وتحسين حياة المواطنين.
والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هنا: ماذا استفاد المواطن في جبال النوبة من أكثر من أربعة عقود من الحرب؟. هل تحسنت حياته؟ هل تطورت الخدمات؟ هل تحسنت المدارس والمستشفيات؟ هل استفاد من الذهب والموارد الطبيعية الموجودة في أرضه؟
الإجابة المؤلمة أن المواطن ظل هو الخاسر الأكبر، بينما تحولت قضية المنطقة إلى ورقة سياسية وعسكرية يتم استخدامها لإطالة أمد الصراع.

 

مساهمة الحلو في دخول الجنجويد إلى جنوب كردفان أفقدتهم ما ينادون به من قضايا ومطالب؟

 

قضية ومطالب أهل جنوب كردفان قديمة، وهي قضايا عادلة، وقد اعترفت الدولة نفسها بأن المنطقة تعرضت لظلم تاريخي، وأن هناك ضرورة حقيقية لإزالة الاختلالات في مجالات السلطة والثروة، وتحقيق التوزيع العادل لموارد الدولة، وإحداث التوازن في خطاب الدولة بشأن الهوية والثقافة والتنمية عموماً.
هذه قضايا لا يمكن إنكارها، وهي مطالب مشروعة لأهل الولاية، لكن ما فعلته قيادة الحركة الشعبية، خصوصاً من خلال تحالفها مع قوات الدعم السريع، أضر بهذه القضية وأساء إليها.
أما مسألة فقدان الحركة لتعاطف الناس بسبب هذا التحالف، فلا تهمني كثيراً بقدر ما يهمني الإنسان نفسه، لأن إنسان الولاية تضرر بصورة بالغة من الحرب المتطاولة التي خاضتها الحركة الشعبية.
هذه الحرب أدت إلى ظلم أكبر، وما حدث أصبح «ضِغثاً على إبالة»، أي أن الأزمات تراكمت فوق بعضها البعض، وأصبح المواطن يواجه نتائج الحروب والصراعات والتحالفات السياسية والعسكرية في آن واحد.
لقد كان المطلوب أن تتحول مطالب أهل جنوب كردفان إلى مشروع سياسي وتنموي يخدم إنسان الولاية، لا أن تتحول إلى ذريعة لاستمرار الحرب، أو وسيلة لتمكين قوى خارجية من موارد المنطقة.

 

نادى مبارك أردول بمحاكمة الحلو ووصفه بمجرم حرب، ما رأيك؟

 

نتفق معه في ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه في الجرائم والانتهاكات التي وقعت في الولاية، وليس الحلو وحده، بل كل من ساهم في ظلم الولاية وأهلها، وأشعل الحروب أو غذّاها أو شارك في تدمير مقدرات البلاد.
نحن لا نتحدث عن تصفية حسابات سياسية، وإنما عن ضرورة تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.
فإذا كانت هناك جرائم قتل وتهجير قسري وتدمير للمدارس والمستشفيات ودور العبادة واختفاء قسري واعتقالات وانتهاكات ضد المدنيين، فيجب التحقيق فيها بصورة مستقلة وشفافة، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة كل من تثبت إدانته، أياً كان موقعه أو انتماؤه السياسي أو العسكري.
والعدالة هي الطريق الوحيد لوقف دورة الانتقام والحرب، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع في جنوب كردفان، لأن المواطن هناك لا يحتاج إلى حرب جديدة، وإنما يحتاج إلى الأمن والسلام والتنمية والعيش الكريم.
جنوب كردفان تمتلك موارد كبيرة وإمكانات ضخمة، وفي مقدمتها الذهب والزراعة والثروة الحيوانية، وكان يمكن لهذه الموارد أن تجعل الولاية من أكثر مناطق السودان نمواً وازدهاراً، لكن استمرار الحرب حرم أهلها من هذه الإمكانات.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط إيقاف الحرب، وإنما وضع مشروع متكامل لإعادة بناء الولاية، وإعادة النازحين والمهجرين، وتعويض المتضررين، وإعادة الخدمات، وفتح المدارس والمستشفيات، وضمان إدارة موارد المنطقة بما يعود بالنفع المباشر على أهلها.
وفي تقديري، فإن أي قيادة سياسية أو عسكرية تجعل من المواطن وقوداً لصراعها السياسي والعسكري لا يمكن أن تكون جزءاً من الحل، لأن مستقبل جنوب كردفان يجب أن يصنعه أهلها عبر السلام والتنمية والعدالة، وليس عبر البنادق والحروب.