مفضل في باكو.. تفاهمات أمنية وتحرك لتوسيع التعاون

السودان يطرح رؤية لمواجهة التهديدات الجديدة

مفضل في باكو.. تفاهمات أمنية وتحرك لتوسيع التعاون

 

تقرير: كمال عوض

تأتي مشاركة السودان في النسخة الرابعة من «منتدى باكو للأمن» في توقيت تتسع فيه طبيعة التهديدات الأمنية لتتجاوز النزاعات التقليدية، نحو الإرهاب والجريمة المنظمة والمرتزقة والتدفقات غير المشروعة للسلاح، إلى جانب توظيف التكنولوجيا الحديثة في العمليات والتمويل. ويكتسب المنتدى أهميته من جمعه قيادات وممثلين رفيعي المستوى لأجهزة الأمن والاستخبارات من دول ومؤسسات دولية متعددة، بما يتيح تبادل المعلومات والخبرات وبناء قنوات اتصال مباشرة. وبرز حضور المدير العام لجهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، الذي لم يقتصر على المشاركة في الجلسات، وإنما امتد إلى حراك ثنائي مكثف، قاد خلاله مباحثات مع الجانب الأذربيجاني وطرح رؤية السودان بشأن تداعيات الحرب ومهدداتها الإقليمية والدولية.

 

حضور سوداني يتجاوز المشاركة

 

وانعقد المنتدى في العاصمة الأذربيجانية باكو خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر، تحت شعار «التحديات المعاصرة في بنية الأمن العالمي وإنشاء آليات تعاون فعالة لمكافحة الإرهاب»، بمشاركة واسعة من قيادات وممثلي أجهزة الأمن والاستخبارات. وترأس الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل وفد السودان، مستفيداً من طبيعة المنتدى باعتباره مساحة تجمع مسؤولين أمنيين من دول مختلفة، وتوفر فرصة للقاءات الثنائية وتبادل الرؤى بشأن الملفات ذات الاهتمام المشترك.
وتحولت مشاركة السودان إلى حراك دبلوماسي واستخباراتي، مع سلسلة من اللقاءات التي أجراها مفضل على هامش المنتدى، وفي مقدمتها مباحثاته مع قيادة جهاز أمن الدولة الأذربيجاني، التي تناولت التطورات العسكرية والأمنية في السودان، إلى جانب رؤية الخرطوم للقضايا الراهنة.
وأسفرت هذه المباحثات عن تفاهمات أمنية مشتركة تمهد لتعاون ثنائي أوسع بين جهاز المخابرات العامة السوداني وجهاز أمن الدولة الأذربيجاني.

 

السودان يطرح ملف الحرب ومهدداتها

 

وفي كلمته أمام المنتدى، وضع مفضل الأزمة السودانية ضمن سياق أوسع يتعلق بالتهديدات الأمنية العابرة للحدود، مشيراً إلى أن الحرب تمثل اختباراً لقدرة المنظومتين الإقليمية والدولية على التعامل مع المخاطر المركبة المرتبطة بها.
وركزت الرسالة السودانية على مخاطر ما وصفه باعتماد قوات الدعم السريع على مرتزقة أجانب، إلى جانب تدفقات الأسلحة والمعدات عبر الحدود بصورة غير خاضعة للرقابة، باعتبار أن هذه العوامل لا تقتصر آثارها على الداخل السوداني، وإنما يمكن أن تمتد إلى دول الجوار والفضاء الإقليمي.
كما تناول مفضل جانباً آخر من التحديات الأمنية يتمثل في توظيف التكنولوجيا الحديثة، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة ومنصات الاتصالات المشفرة والعملات الرقمية، في تمويل وإدارة أنشطة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وتعكس هذه النقاط انتقال النقاش الأمني من التركيز على الأدوات العسكرية التقليدية إلى منظومة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحدود والتمويل والتكنولوجيا والشبكات غير النظامية.

 

مقترحات سودانية لآليات تعاون جديدة

 

وطرح السودان خلال المنتدى جملة من المقترحات للتعامل مع هذه التحديات، في مقدمتها إنشاء منصة مرنة لتبادل المعلومات وتعزيز التنسيق والتعاون الاستخباري بين الدول.
وشملت الرؤية الدعوة إلى تطوير آليات متكاملة لمكافحة المهددات الأمنية المعاصرة، وتجفيف مصادر تمويل الإرهاب، ووضع أطر قانونية دولية للتعامل مع المخاطر المرتبطة بالطائرات المسيرة، إلى جانب تفكيك اقتصاد المرتزقة ودعم قدرات إدارة الحدود في الدول المتأثرة بالنزاعات.
وتتسق هذه المقترحات مع الاتجاه العام للمنتدى نحو تحويل التعاون الأمني من مجرد تبادل للمواقف إلى آليات عملية للمعلومات والتنسيق. كما أن منصة المنتدى نفسها تتجه إلى تطوير نظام لتبادل معلومات مكافحة الإرهاب، وهو ما يمنح قضية تبادل المعلومات التي طرحها السودان أهمية خاصة في هذا السياق.

 

البيان الختامي

واختتم المنتدى أعماله بالتأكيد على أهمية تحويل التوصيات والمخرجات إلى آليات تنفيذية ملموسة، بما يعزز حماية أمن الدول والشعوب واستقرارها.
ويمنح هذا المخرج أهمية إضافية للمشاركة السودانية، خصوصاً أن الخرطوم لم تطرح الأزمة بوصفها شأناً داخلياً فقط، وإنما ربطتها بملفات الإرهاب والجريمة المنظمة والحدود والتمويل غير المشروع والتكنولوجيا الحديثة.

 

أهمية مشاركة السودان

 

وتكمن أهمية مشاركة السودان في منتدى باكو في تحويل الملف السوداني من قضية تُناقش في الأطر السياسية والإنسانية إلى ملف حاضر داخل دوائر التعاون الاستخباراتي الدولي. غير أن القيمة العملية لأي تفاهمات تظل مرتبطة بقدرتها على إنتاج قنوات مستدامة لتبادل المعلومات والتنسيق ومكافحة شبكات السلاح والتمويل والمرتزقة عبر الحدود. كما أن طرح مخاطر المسيرات والاتصالات المشفرة والعملات الرقمية يعكس اتساع طبيعة الحرب الحديثة، ويجعل التعاون الفني والقانوني بين أجهزة الأمن أكثر أهمية. وبالنسبة للسودان، يمكن أن يشكل المسار الأذربيجاني قناة إضافية لتطوير التعاون الثنائي، بينما يتيح المنتدى الأوسع فرصاً لبناء تفاهمات متعددة الأطراف حول التهديدات العابرة للحدود، وفق الأطر القانونية والسيادية للدول.
وبذلك، تبدو مشاركة السودان في باكو ذات مسارين متوازيين: مسار ثنائي تمثل في التفاهمات مع جهاز أمن الدولة الأذربيجاني، ومسار متعدد الأطراف حمل إلى المنتدى رؤية سودانية بشأن مهددات الحرب وآليات مواجهتها. وتبقى الخطوة الأهم في المرحلة المقبلة هي ترجمة ما تم طرحه من تفاهمات وتوصيات إلى تعاون مؤسسي قابل للقياس والتنفيذ.