
الخرطوم .. مدينةٌ تهزم الخراب بالحياة
وعادت ذاكرة العاصمة وذكريات الناس
الخرطوم .. مدينةٌ تهزم الخراب بالحياة
جولة في جاكسون والسوق المركزي والكلاكلات.. وأم درمان تشهد عودة المنتديات الثقافية
الخرطوم: مجدي العجب
لم يكن الخراب الذي خلّفته المليشيا في الخرطوم نهايةً للمدينة، بل كان امتحاناً لإرادة أهلها. ظنّ الجنجويد الذين أشعلوا الحرب أن الركام سيطفئ روح العاصمة، وأن أبوابها المغلقة ستظل شاهدةً على الغياب؛ لكن الخرطوم اليوم تردّ عليهم بطريقتها: بالناس وهم يعودون، وبالأسواق وهي تستعيد نبضها، وبالشوارع وهي تمتلئ من جديد. لقد فشل الخراب في مهمته؛ فالحياة أقوى من الركام، وإرادة السودانيين أبقى من آثار الحرب.
لم أدخل الخرطوم هذه المرة لأبحث عن الخراب، رغم أن الخراب ما زال حاضراً في بعض زواياها. دخلتها لأبحث عن الحياة. ومنذ الخطوات الأولى في قلب العاصمة، بدا لي أن الخرطوم تقول شيئاً مختلفاً عما ايادي الجنجويد الاثمة خلفها. تقول إن المدن، مثل البشر، قد تنكسر لكنها لا تموت، وإن الخراب مهما اتسع لا يستطيع أن ينتصر على رغبة الناس في العودة.
وسط الخرطوم
بدأت جولتي من وسط الخرطوم، ثم ميدان جاكسون، مروراً بشرق العاصمة وجنوبها، وصولاً إلى السوق المركزي والكلاكلات، قبل أن تمتد الرحلة إلى أم درمان. وما بين محطة وأخرى كان المشهد يزداد وضوحاً: الخرطوم تعود.
وفي السوق العربي تحديداً، لم تكن الحركة محصورة في الشوارع الرئيسية. حتى الشوارع الداخلية، شرقاً وغرباً، بدأ المارة ينتشرون فيها، والأبواب تُفتح، والمتاجر تستعيد أنفاسها، والسيارات تعود إلى طرقها، والمدينة تسترد شيئاً فشيئاً ذلك الضجيج الجميل الذي يصنع الحياة.
كانت خطوات الناس بالنسبة لي أهم من كل شيء. فكل عابر في الشارع كان يقول، من حيث لا يدري: نحن عدنا. نعم، ما زالت آثار الحرب واضحة. مبانٍ تعرضت للتخريب، وأماكن تحتاج إلى إعادة تأهيل، وواجهات فقدت ملامحها، وأحياء تحتاج إلى كثير من العمل حتى تستعيد عافيتها كاملة. لكن العودة نفسها أصبحت مشهداً لا يمكن تجاهله؛ فالأمم المتحدة وثّقت اتساع حركة العودة إلى الخرطوم، كما أشارت إلى أن الخرطوم والجزيرة تستقبلان النسبة الأكبر من العائدين، بالتزامن مع جهود لإزالة مخلفات الحرب وفتح الطرق والمرافق أمام التعافي وإعادة البناء.
ثم اتجهت جنوباً
في السوق المركزي والكلاكلات، كانت الحياة أكثر جرأة. الناس لا ينتظرون مدينة مكتملة كي يعودوا إليها؛ هم الذين يصنعون اكتمالها. يفتح التاجر دكانه، ويعود العامل إلى عمله، ويبحث رب الأسرة عن احتياجات بيته، وتتحرك المواصلات، وتعود الأسواق إلى وظيفتها الأولى: أن تكون مكاناً يلتقي فيه الناس بالحياة.
وهنا تكمن عظمة الخرطوم. لقد حاولت الحرب أن تجعل من المدينة ذاكرةً للرحيل، لكن أهلها يحولونها الآن إلى ذاكرة للعودة.
وفي أم درمان اكتملت الصورة
عودة مركز أم درمان الثقافي ومنتدياته ليست مجرد عودة نشاط ثقافي إلى مكان؛ إنها عودة الروح إلى مدينة عرفت دائماً أن الثقافة جزء من يومياتها، وأن الشعر والغناء والحوار والمنتدى ليست ترفاً، وإنما إحدى الطرق التي يستعيد بها المجتمع عافيته.
حين يعود المنتدى، تعود الأسئلة.
وحين يعود الشعر، يعود الأمل.
وحين يجلس الناس معاً، فهذا يعني أن الخوف يتراجع خطوة.
يا لها من مدينة! تخرج من بين الركام ولا تحمل الركام في قلبها. تمضي إلى الأمام. تفتح أبوابها. تستقبل أبناءها. وتعيد ترتيب ذاكرتها.
لقد تركت الحرب جراحاً عميقة في الخرطوم، وهذا واقع لا ينبغي أن تخفيه الصورة المتفائلة. كما أن الطريق أمام إعادة الخدمات والبنية التحتية ما زال طويلاً، ولا تزال مخاطر مخلفات الحرب قائمة في بعض المناطق. لكن هذا لا يلغي الحقيقة الأجمل: الحياة سبقت اكتمال الإعمار.
الخرطوم عادت وستكون أجمل
وفي نهاية الجولة، أدركت أن الخرطوم لا تحتاج إلى من يرثيها. إنها تحتاج إلى من يراها وهي تنهض. فالمدينة التي امتلأت شوارعها بالمارة من جديد، وبدأت أسواقها تستعيد حركتها، وبدأت مراكزها الثقافية تستعيد صوتها، لا تبدو مدينة تستسلم لما أصابها. تبدو مدينة ترد على الخراب بالحياة.
وعلى الذين أرادوا لها أن تكون مدينة صامتة، بأن جعلوا شوارعها أكثر ضجيجاً. وعلى الذين أرادوا لها أن تكون مدينة بلا ذاكرة، بأن أعادت فتح أبوابها. وعلى الذين أرادوا أن تنتهي حكايتها، بأن بدأت فصلاً جديداً.
هذه الخرطوم التي رأيتها اليوم. ليست مدينة خرجت من الحرب فقط. إنها مدينة تعود إلى نفسها.
ومن قلب الخراب، ترتفع ابتسامة المدينة الأولى: الخرطوم عادت.. وستكون أجمل.
صمود الخرطوم
خابت أيدي الجنجويد الآثمة، وعادت الخرطوم؛ لا كما كانت فحسب، بل وهي تحمل في ملامحها معنى جديداً للصمود. وما جرى في السودان، حين نسميه مؤامرة، نكون قد خففنا من وطأته، واختصرنا فداحة ما استهدف البلاد وأهلها؛ فقد كان أكبر من ذلك بكثير، محاولةً لاقتلاع الإنسان من ذاكرته، والمدينة من روحها، والوطن من مكانه في وجدان أبنائه. لكن إرادة الشعب السوداني كانت أقوى من الخراب.
عاد السودانيون إلى بيوتهم، إلى أسواقهم، إلى شوارع طفولتهم، إلى الأمكنة التي اختزنت ضحكاتهم وذكرياتهم. عادوا لا ليقفوا على الأطلال، وإنما ليعيدوا للحياة صوتها، وللشوارع خطاها، وللمدن أسماءها.
وفي الخرطوم، التي حاولت الحرب أن تجعل منها مدينةً للغياب، يمضي الناس اليوم في شوارعها كأنهم يستردون قطعةً قطعة من ذاكرتهم. خابت أيدي الخراب، وبقيت إرادة الحياة.
عادت الخرطوم… وعاد إليها أهلها، وعادت معهم الحكاية.
