حسين خوجلي يكتب: ثلاث مرافعات ومئة دعوة للنقاش
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
ثلاث مرافعات ومئة دعوة للنقاش
مدخل:
أذكر أني قد بعثت يوماً للأخ الصديق الدكتورالراحل معتصم عبدالرحيم الذي كان وزيرا للتربية والتعليم بولاية الخرطوم وكان للرجل أثر في مجال الشباب والعلم والمدارس والجامعات. بعثت له برسالة قدحت فيها المقررات التي تُفرض على النشء والشباب في كل المراحل فهي ضرب من الحشو والاختيار المسطح الذي لا يبعث على الاقتداء ولا الجدل الرصين ولا المكاشفة وتحرير العقل من قيد التقليد إلى رحابة التجديد.
وقد أرفقت له حزمة من القراءات التي لو قُررت لأشاعات في شبابنا الكثيرمن القيم الجديرة بالاحترام والعقلانية، أفكار لها دماغ ولها سيقان تمشي بين الناس.
صحيح أن هذه الكراسة قد ضاعت كما ضاعت الكثير من الدفاتر في حرب الأوغاد التي أحرقت السودان وأحرقت قلوب السودانيين، ولكن بقيت هذه الحكايات الثلاثة ( فما قولكم دام فضلكم)
حكاية للجيش والمقاومة الشعبية
عبدُ الله بنُ حُذَافَةَ السَّهْميُّ، المكنى بِـ (أبي حُذافة) هو أحد صحابة النبي محمد الذين بعثوا إلى ملوك الأعاجم برسائل تدعوهم إلى الإسلام. وكانت رسالة عبد الله إلى كسرى ملك الفرس وذلك في السنة 6 هـ . وفي السنة 9هـ خرج مع جيش المسلمين لمحاربة الروم في الشام وقد تمكن الروم من أسره.
كان قيصر ملك الروم متعجب من أخبار ثبات المؤمنين وجرأتهم على الموت.. فأمر بأن يحضر بين يديه أسير من المسلمين..فجاءوا بعبدالله بن حذافة يجرونه والأغلال في يديه وفي قدميه ثم قالوا : “إن هذا من أصحاب محمد السابقين إلى دينه قد وقع أسيرًا في أيدينا ؛ فأتيناك به ، فتحدث معه قيصر فأعجب بذكائه وفطنته.
فنظر إليه طويلاً و قال له : إني أعرض عليك أن تتنصر وتترك الإسلام ، فإن فعلت ذلك خليت سبيلك وأكرمت مثواك!
فقال عبد الله: لا
فغضب قيصر، وقال: إذاً أقتلك!. فقال: أنت وما تريد.
فأمر به فسحب وعلق على صليب وأمر الرماة أن يرموا السهام حوله ولا يصيبوه لاخافته .. وقيصر يعرض عليه النصرانية وهو يأبى وينتظر الموت.
فلما رأى قيصر إصراره أمر بأن يمضوا به إلى الحبس وأن يمنعوا عنه الطعام والشراب.. فمنوعهما عنه حتى كاد أن يموت من الظمأ ومن الجوع فأحضروا له خمرا ولحم خنزير ، فلما رآهما عبد الله، قال: والله إني لأعلم أني لمضطر وإنذلك يحل لي في ديني، ولكن لا أريد أن يشمت بي الكفار ، فلم يقرب الطعام.
فأُخبر قيصر بذلك، فأمر له بطعام حسن، ثم أمر أن تدخل عليه امرأة حسناء تتعرض له بالفاحشة.. فأدخلت عليه أجمل نساء الروم ، فلم يلتفت إليها.
فلما رأت ذلك خرجت وهي غاضبة، وقالت: لقد أدخلتموني على رجل لا أدري أهو بشر أو حجر.. وهو والله لا يدري عني أأنا أنثى أم ذكر!!
فلما يأس منه قيصر أمر بقدر من نحاس ثم أغلى الزيت وأوقف عبدالله أمام القدر وأحضر أحد الأسرى المسلمين موثقا بالقيود وألقوة في ألزيت المغلي فصرخ صرخه ومات وطفت عظامه بيضاء تتقلب فوق الزيت وعبدالله ينظر إلى العظام فالتفت إليه قيصر وعرض عليه النصرانية فأبى.
فاشتد غضب قيصر وأمر به أن يطرح في القدر فلما جروه وشعر بحرارة النار بكى!! ودمعت عيناه!! ففرح قيصر فقال له: تتنصر وأعطيك.. وأمنحك.
قال: لا،
قال:اذن ما الذي أبكاك!؟
فقال: أبكي والله لأنه ليس لي إلا نفس واحدة تلقى في هذا القدر.. ولقد وددت لو كان لي بعدد شعر رأسي نفوس كلها تموت في سبيل الله مثل هذه الميتة.
فقال له قيصر بعد أن يأس منه: قبل رأسي وأخلي عنك.
فقال عبدالله: وعن جميع أسرى المسلمين عندك..
فقال أجل.
فقبل عبد الله رأسه ثم أطلق مع باقي الأسرى.
فقدم بهم على سيدنا عمر رضي الله عنه، فأُخبر سيدنا عمر رضي الله عنه بذلك، فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حُذافة، وأنا أبدأ، فقام سيدنا عمر رضي الله فقبّل رأسه.
فرضي الله عنهم جميعا.
حاشية:
من أيسر أنواع الشهادة بركة والتي يترفق بها الله سبحانه وتعالى على أصفياءه الطعنة القاتلة،أو قطع الرأس في المعركة وفي زماننا هذا تسهل بالرصاصة أو الدانة، ويكون الموت ما بين الضربة والمفارقة لحظات ويظل أشرف أنواع الإبتلاء هو الموت في سبيل الله بالتعذيب ، ذلك الذي صمد له أصحاب الأخدود واحتملوا النار وحريقها حتى الشهادة دون ان يتزحزحوا قيد أنملة عن إيمانهم الراسخ والأمثلة كثيرة.
ومن الذين تحدوا التعذيب الصحابي عبدالله بن حذافة رضي الله عنه الذي ثبت أمام ملك الروم بشجاعته ودهاءه وتنازله الصغير المبرر استطاع أن يفك أسره وأسرالمئات من المسلمين الأسارى، وعندما حكى حكايته أمام الفاروق أكرمه بأن قَبَّل رأسة وأمر بقية المسلمين بأن يفعلوا ذلك .
والثانية لأهل السياسة والدعوة
عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم (وهي جلود الأنعام العربية المدبوغة بإتقان) فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية(وكان كبراء انصاري من أهل الكنيسة والحكم يحبون الهدايا ،وهم أمر شائع فيهم إلى اليوم ،حين تريد بعض الأنظمة أن تشترى قرارتهم)
ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وخير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ثم قال لكل بطريق منهم إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما: نعم
ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليردانهم إلى بلادهم وقومهم قال فغضب النجاشي ثم قال لا هايم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟
قالوا نقول: والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ليسألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب (جعفر الطيار الذي حمل اللواء في مؤته واستشهد مع رفيقيه زيد بن حارثه وعبدالله بن رواحه ولم يُسلم الراية إلا بعد قطعت يداه فكتبت له بذلك جناحان في الجنة ولذلك سمى بالطيار)
فقال جعفر:أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيئ الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمر بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا ففتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ولما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك قالت فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء قالت فقال له جعفر نعم فقال له النجاشي فاقرأه علي فقرأ عليه صدراً من (سورة مريم وقد أحسن الاختيار في ذلك المقام قدس الله سره) (كهيعص) قالت:
فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد قالت أم سلمة رضي الله عنها فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص والله لآتينه غدا أعيبهم عنده ثم أستأصل به خضراءهم قالت فقال له: عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عليهما السلام عبد قالت ثم غدا عليه الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه قالت أم سلمة: فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله سبحانه وتعالى وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا في ذلك ما هو كائن فلما دخلوا عليه قال لهم:
ما تقولون في عيسى ابن مريم فقال له جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه نقول فيه الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول قالت: فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود فناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم فما أحب أن لي دبر ذهب وأني آذيت رجلا منكم والدبر بلسان الحبشة الجبل ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع في الناس فأطيعهم فيه.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه قالت فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه قالت وسار النجاشي وبينهما عرض النيل قال: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر قالت: فقال الزبير بن العوام رضي الله عنه: أنا قالت وكان من أحدث القوم سنا قالت فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم قالت ودعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوثق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.
حاشية:
أول ما استوقفني في هذه الرواية الشريفة أنها جاءت على لسان هذه الصحابية الجليلة الموثقفة الحافظة المتدبرة كما استوقفتني المرافعة الرصينة الوافية المليئة بمآثر الإيمان والذكاء للشهيد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه والتي أظن أنها ستصبح واحدة من أبلغ المرافعات في تقديم الإسلام للآخرين إذا تُرجمت وأحكمت معانيها .
وثاني ما استوقفني هذا العدل المطلق للنجاشي هذا الإفريقي الحكيم المتوشح بالعقل والأناة والفطنة والدهاء، وبعدها أسلم وكتم إسلامه وأصبحت بلاده الملاذ الآمن لاخوته في الله وعندما مات النجاشي ورد في رواية عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:{ إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ، قَالَ فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ}
والثالثة لإخوتنا من الطالبيين والشيعة
لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس فقال : يا ابن عم ، إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق ، فبين لي ما أنت صانع . فقال : إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين ، إن شاء الله تعالى . فقال له ابن عباس : أخبرني إن كان قد دعوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم ، فسر إليهم ، وإن كان أميرهم عليهم قاهرا لهم ، وعماله تجبي بلادهم ، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال ، ولا آمن عليك أن يستنفروا إليك الناس ، فيكون الذين دعوك أشد الناس عليك . فقال الحسين : إني أستخير الله وأنظر ما يكون .
فخرج ابن عباس من عنده ، ودخل ابن الزبير ، فقال له : ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ، ونحن أبناء المهاجرين ، وولاة هذا الأمر دونهم ، أخبرني ما تريد أن تصنع . فقال الحسين : والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة ، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشراف أهلها ، وأستخير الله . فقال ابن الزبير : أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها . فلما خرج من عنده قال الحسين : قد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء ، وأن الناس لم يعدلوه بي ، فود أني خرجت لتخلو له .
فلما كان من العشي أو من الغد جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له : يا ابن عم ، إني أتصبر ولا أصبر ، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك ، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم ، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ، ثم اقدم عليهم ، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونا وشعابا ، ولأبيك به شيعة ، وكن عن الناس في معزل ، واكتب إليهم ، وبث دعاتك فيهم ، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب . فقال الحسين : يا ابن عم ، والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق ، ولكني قد أزمعت المسير . فقال له : فإن كنت ولا بد سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.
حاشية:
من أبلغ الردود التي يمكن أن تُساهم في إقناع الإخوة الشيعة ليعتبروا ويقتنعوا ببشرية آل البيت، وأنهم على علو أخلاقهم وعلمهم وقربهم من المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا أنهم يواجهون الدنيا كما يواجهها سائر الصحابة، يخطئون في الاجتهاد ويصيبون، وقد تعامل معهم الصحابة الكرام بنِدية تاجها الحكمة ودِثارها النصيحة والحقيقة فهي رغم قصرها وكثافة دِلالتها فإنها تمثل دراسة جدوى حقيقية عند إطلاق القرارات الخطيرة.
فقرؤوا معي هذا التقرير العلمي والواقعي الذي أفصح عنه سيدنا عبدالله بن عباس رضي الله عنه ابن عم سيدنا الحسين لتروا كيف كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعالجون أمورهم بإيمان وعقلانية وواقعية وتوكل.
