حسين خوجلي يكتب: البساتين

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

البساتين

 

حكمة في عدل السيفين

قال عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثًا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي، فما تصنع به؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا؟
فتعجبت لذلك، قال: وغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله فقال: (أيكما قتله؟) فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: (هل مسحتما سيفيكما؟) فقالا: لا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين، فقال: (كلاكما قتله)، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
والرجلان هما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء.

معاوية مُحاضراً في كلية العلوم السياسية

جلس معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مع أصحابه، فسأله رجل: كيف استطعت يا أمير المؤمنين أن تجتمع عليك كلمة الشام والحجاز والشرق، وتسوس الناس كل هذه السنين دون أن تثور عليك الرعية؟
تبسم معاوية وقال مقولته الشهيرة التي أصبحت أسلوب حياة ودرساً خالداً في الدهاء السياسي:
إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني. ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت!
سألوه متعجبين: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟
قال: إذا مدّوها رخوتها، وإذا رخوا مدّدتها.
كان معاوية يستوعب غضب الخصم بالدهاء والصبر لا بالشدة، فإن رأى معارضاً يشتد ويهاجم بالكلمات، لم يواجهه بالبطش، بل بالحلم والتودد، حتى إذا سكن المعارض، شدّ معاوية خيوط السيطرة بثبات. بهذه الفطنة، جعل المعارضة تفقد مبرر الثورة، وأدار أعتى الأزمات السياسية بأقل التكاليف.

دعوة لكتابات المفكر محمد عابد الجابري

يقول محمد عابد الجابري في (كتابه الهوية العولمة المصالح القومية):
ستبقى مسألة الهويّة في كل قطر عربي مرتبطة بخريطتين: واحدة جغرافية قطرية، وقوامها مجموعة بلدان تفصل بينها حدود سياسية، و(خريطة) تاريخية فسيفسائية قوامها ممالك ودول متعاقبة متزاحمة متنافسة حيناً، متعاونة حيناً آخر، وفوق الخريطتين خريطة جديدة هادفة إلى دمج فسيفساء التاريخ في الجغرافيا، ودمج الحدود الجغرافية في العولمة المذيبة للحدود.

 

رؤية باكستان في خدمة الإنسان

يقول أبو الأعلى المودودي في كتابه (الجهاد في سبيل الله):
والإسلام يتطلب الأرض ولا يقتنع بقطعة أو جزء منها، وإنما يتطلب ويستدعي المعمورة الأرضية كلها، ولا يتطلبها لتستولي عليها وتستبد بمنابع ثروتها أمة بعينها، بعدما تنتزع من أمة أو من أمم شتى، بل يتطلبها الإسلام ويستدعيها ليتمتع الجنس البشري بأجمعه بفكرة السعادة البشرية ومنهاجها العلمي اللذين أكرمه الله بهما، وفضله بهما على سائر الأديان والشرائع.

كان مفكراً وشاعراً وفيلسوفاً

يقول صادق جلال العظم في كتابه في (الحب والحب العذرى):
سَأَلْتُهَا عَنْ فُوَآدِي أَيْنَ مَوْضِعُهُ
‫ فَإِنَّهُ ضَلَّ عَنِّي عِنْدَ مَسْرَاهَا
‫ قَالَتْ لَدَيْنَا قُلُوبٌ جَمَّةٌ جُمِعَتْ
‫ فَأَيُّهَا أَنْتَ تَعْنِي؟ قُلْتُ أَشْقَاهَا

 

فصيحٌ وظريف في مرافعة الاستسقاء

سمع أعرابي أبا المكنون النحوي وهو يقول في دعائه يستسقي: اللهم ربّنا وإلهنا وسيدنا ومولانا، صلّ على محمد نبينا اللهم ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به كإحاطة القلائد بأعناق الولائد، ثم أرسخه على هامسته كرسوخ السّجّيل على هام أصحاب الفيل، اللهم اسقنا غيثا مريئا مريعا مجلجلا مسحنفرا هزجاً سحّاً سفوحاً طبقاً غدقاً مثعنجراً صخباً نافعاً لعامّتنا وغير ضارّ بخاصّتنا.
فقال الأعرابي: يا خليفة نوح الطوفان وربّ الكعبة ، دعني حتى آوي إلى جبل يعصمني من الماء.

وَلا بُدَّ يَوماً أَن تُرَدَّ الوَدائِعُ

يقول لبيد:
بَلينا وَما تَبلى النُجومُ الطَوالِعُ
وَتَبقى الجِبالُ بَعدَنا وَالمَصانِعُ
وَقَد كُنتُ في أَكنافِ جارِ مَضِنَّةٍ
فَفارَقَني جارٌ بِأَربَدَ نافِعُ
فَلا جَزِعٌ إِن فَرَّقَ الدَهرُ بَينَنا
وَكُلُّ فَتىً يَوماً بِهِ الدَهرُ فاجِعُ
فَلا أَنا يَأتيني طَريفٌ بِفَرحَةٍ
وَلا أَنا مِمّا أَحدَثَ الدَهرُ جازِعُ
وَما الناسُ إِلّا كَالدِيارِ وَأَهلُها
بِها يَومَ حَلّوها وَغَدواً بَلاقِعُ
وَما المَرءُ إِلّا كَالشِهابِ وَضَوئِهِ
يَحورُ رَماداً بَعدَ إِذ هُوَ ساطِعُ
وَما البِرُّ إِلّا مُضمَراتٌ مِنَ التُقى
وَما المالُ إِلّا مُعمَراتٌ وَدائِعُ
وَما المالُ وَالأَهلونَ إِلّا وَديعَةٌ
وَلا بُدَّ يَوماً أَن تُرَدَّ الوَدائِعُ
وَيَمضونَ أَرسالاً وَنَخلُفُ بَعدَهُم
كَما ضَمَّ أُخرى التالِياتِ المُشايِعُ
وَما الناسُ إِلّا عامِلانِ فَعامِلٌ
يُتَبِّرُ ما يَبني وَآخَرَ رافِعُ
فَمِنهُم سَعيدٌ آخِذٌ لِنَصيبِهِ
وَمِنهُم شَقِيٌّ بِالمَعيشَةِ قانِعُ
أَلَيسَ وَرائي إِن تَراخَت مَنِيَّتي
لُزومُ العَصا تُحنى عَلَيها الأَصابِعُ
أُخَبِّرُ أَخبارَ القُرونِ الَّتي مَضَت
أَدِبُّ كَأَنّي كُلَّما قُمتُ راكِعُ
فَأَصبَحتُ مِثلَ السَيفِ غَيَّرَ جَفنَهُ
تَقادُمُ عَهدَ القَينِ وَالنَصلُ قاطِعُ
فَلا تَبعَدَن إِنَّ المَنِيَّةَ مَوعِدٌ
عَلَيكَ فَدانٍ لِلطُلوعِ وَطالِعُ
أَعاذِلَ ما يُدريكَ إِلّا تَظَنِّيّاً
إِذا اِرتَحَلَ الفِتيانُ مَن هُوَ راجِعُ
تُبَكّي عَلى إِثرِ الشَبابِ الَّذي مَضى
أَلا إِنَّ أَخدانَ الشَبابِ الرَعارِعُ
أَتَجزَعُ مِمّا أَحدَثَ الدَهرُ بِالفَتى
وَأَيُّ كَريمٍ لَم تُصِبهُ القَوارِعُ
لَعَمرُكَ ما تَدري الضَوارِبُ بِالحَصى
وَلا زاجِراتُ الطَيرِ ما اللَهُ صانِعُ
سَلوهُنَّ إِن كَذَّبتُموني مَتى الفَتى
يَذوقُ المَنايا أَو مَتى الغَيثُ واقِعُ