
حسن بشير يكتب: معاش الناس يا السادة المسؤولين
ضربة جزاء
حسن بشير
معاش الناس يا السادة المسؤولين
لم يعد الحديث عن غلاء المعيشة في السودان مجرد شكوى عابرة، ولا ارتفاع الدولار مجرد رقم يظهر على شاشات الأسواق، وإنما أصبح واقعاً يومياً يطرق أبواب كل بيت سوداني، ويضع المواطن أمام سؤال صعب: كيف نعيش؟
الدولار يرتفع، والجنيه يفقد قوته، والأسعار تلحق بهما صعوداً، بينما المرتب ثابت وكأنه يعيش في زمن آخر. وقد انعكست أزمة سعر الصرف بصورة مباشرة على تكلفة السلع والخدمات، في وقت تشير البيانات إلى ارتفاع التضخم السنوي إلى 51.28% في يونيو 2026.
يا السادة المسؤولين…
المواطن لا يطلب المستحيل. هو يريد أن يشتري الطعام لأسرته، ويدفع فاتورة العلاج، ويوفر مستلزمات أبنائه، ويدفع إيجار المنزل والمواصلات والكهرباء والمياه، ثم يجد ما يكفيه حتى نهاية الشهر.
لكن ماذا يفعل الموظف الذي يتقاضى راتباً لم يعد يساوي شيئاً أمام حركة الأسعار؟
وماذا يفعل العامل محدود الدخل؟
وماذا عن أصحاب المعاشات الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة والمجتمع؟
المشكلة ليست الدولار وحده.
هناك حرب أضعفت الإنتاج، وتراجع في الزراعة والصناعة، وارتفاع في تكلفة النقل والإنتاج، ونقص في العملة الأجنبية، واتساع الفجوة بين أسعار الصرف، إضافة إلى الاعتماد الكبير على السلع المستوردة. وكل هذه العوامل تجتمع لتدفع الأسعار إلى الأعلى وتضغط على الجنيه وعلى المواطن في آن واحد.
لكن السؤال الأهم: ماذا سنفعل؟
المعالجات لا ينبغي أن تكون مؤقتة أو مرتبطة بردود الأفعال. المطلوب خطة واضحة لحماية معاش الناس.
أولاً، لا بد من دعم الإنتاج المحلي، خصوصاً الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والتحويلية، لأن البلد الذي ينتج غذاءه يقلل حاجته إلى الدولار، ويخلق فرص العمل، ويقوي العملة الوطنية.
ثانياً، يجب تفعيل الجمعيات التعاونية بصورة حقيقية، بعيداً عن الشكلية. الجمعيات التعاونية يمكن أن تكون سلاحاً مهماً في مواجهة الغلاء، من خلال شراء السلع بالجملة وتوفيرها للمواطنين بأسعار أقل، مع رقابة مالية وإدارية تمنع الفساد والاستغلال.
ثالثاً، لابد من مراجعة الرواتب والأجور بصورة عاجلة، وربطها بمؤشرات تكلفة المعيشة، لأن الراتب الذي لا يوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة يفقد معناه الاجتماعي والاقتصادي.
رابعاً، نحتاج إلى رقابة حقيقية على الأسواق، ليس لمحاربة التاجر، وإنما لمنع الاستغلال والاحتكار والمضاربات غير المبررة، مع تسهيل وصول السلع الأساسية من المنتج إلى المستهلك بأقل تكلفة ممكنة.
خامساً، يجب أن تكون هناك سياسة واضحة ومستقرة لسعر الصرف، لأن تعدد الأسعار وعدم استقرارها يربك التاجر والمستهلك والمنتج معاً.
يا سادة…
هذه ليست معركة أرقام في تقارير اقتصادية.
إنها معركة رغيف، ودواء، وكتاب مدرسة، ومواصلات، وإيجار، وحليب طفل.
المواطن السوداني صبر كثيراً، وتحمل الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات وانقطاع الخدمات. فلا تجعلوا الغلاء معركة جديدة يخوضها وحده.
نحن لا نطلب أن يصبح السودان غنياً بين ليلة وضحاها، وإنما نطلب أن يشعر المواطن أن هناك من يسمع صوته، وأن الدولة تنظر إلى معاش الناس باعتباره أولوية وطنية.
لقد بدأت الدولة بالفعل في تشكيل خلية لإدارة قضايا سعر الصرف وآثاره، مع التركيز على زيادة الإنتاج في التعدين والزراعة والثروة الحيوانية وتشجيع الصناعات التحويلية.
وهذا جيد، لكن المواطن يريد أن يرى أثر هذه السياسات في السوق وفي جيبه.
فالاقتصاد في النهاية ليس أرقاماً فقط… الاقتصاد هو حياة الناس.
يا السادة المسؤولين…
أنقذوا معاش الناس قبل أن يصبح الفقر هو العنوان الأكبر.
راجعوا الرواتب. فعّلوا التعاونيات. ادعموا الإنتاج. اضبطوا الأسواق. وحاربوا الاحتكار. واجعلوا المواطن في مقدمة أولويات الدولة.
فالبلاد التي تنتصر في الحرب ثم تخسر معركة لقمة العيش، لم تكمل انتصارها بعد.
