صديق البادي يكتب: الأوضاع السيئة في مشروع الجزيرة تتطلب اهتماماً رئاسياً عاجلاً

الأوضاع السيئة في مشروع الجزيرة تتطلب اهتماماً رئاسياً عاجلاً

صديق البادي

البلاد شهدت حرباً إجرامية انتقامية استنزافية قذرة، بتدبير وتخطيط وتمويل مالي ولوجستي ضخم من قوى الشر العالمية المعادية للسودان، التي تدرك أنه بموارده البشرية وثرواته المتنوعة وموارده الضخمة مؤهل ليكون مارداً اقتصادياً جباراً ورقماً إقليمياً ودولياً سامقاً؛ ولذلك سعوا وعملوا جاهدين لهزيمة وسحق جيشه وإضعاف البلاد وتقسيمها وتمزيق نسيجها الاجتماعي لتكون دولة متنافرة ضعيفة، ولما فشل مخططهم وأخفقوا في حربهم وهُزموا، بدأوا الآن مرحلة جديدة أكثر شراسة، كشروا فيها عن أنيابهم المسمومة، ويدور بالذهن عنوان كتاب الأستاذ محمد جلال كشك: (ودخلت الخيل الأزهر)، ونردد ذات العنوان بالقول: (ودخل الاستعمار الآن في السودان)، وتسعى القوى الاستعمارية الأجنبية لفرض إرادتها وهيمنتها وسيطرتها وأنوف الجميع راغمة في التراب، وتريد أن تديره على هواها بمن ترتضي أن يكونوا أدواتها لتحركهم كالعرائس في مسرح العرائس، مع الهيمنة على موارد البلاد. وهذا يتطلب وحدة وطنية صلبة من أجل الوطن وعزته وشموخه، وأكرر: من أجل الوطن لا من أجل أي شيء آخر سواه. والفريق أول عبدالفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة، ومنذ بدايات الحرب عندما كانت المليشيا المتمردة ذات انتشار واسع، يردد: نحن نحفر بالإبرة، وعليكم بالصبر وسننتصر. والآن فإن على الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والحاكم الفعلي للبلاد، أن يكون الحفر في هذه المرحلة بالحفارات الكبيرة. وبكل أسف فإن الحفر بالإبرة ببطء لا يزال في بعض المواقع، وإن تسيير الاقتصاد وإدارة الموارد تحتاج لإصلاح وتقويم والارتقاء بالأداء لمستوى تحديات المرحلة. والأوضاع المعيشية للغالبية العظمى من الشعب في غاية السوء، مع غلاء فاحش وارتفاع جنوني للأسعار. ومع ذلك فإن هذا الشعب العظيم الصابر الصامد المحتسب يدرك أن التحرشات الأجنبية والضغوط والتحديات التي تحيط بالبلاد تفرض واجباً وطنياً بألا تكون هناك اضطرابات وإضرابات، مع ضرورة السعي الجاد لإيجاد المعالجات وتوفير عوامل ومحفزات العمل والإنتاج، وعلى سبيل المثال: فإن مشروع الجزيرة الذي يروى بالري الانسيابي، والذي لا مثيل له في إفريقيا وربما في العالم؛ فإنه يعيش في حالة توهان ويسير بلا بوصلة هادية، ورئيس الدولة ورئيس الوزراء تقع عليهما المسؤولية الكلية للدولة في كافة المستويات، وليس عليهما متابعة تفاصيل الأداء اليومي، وهذا هو اختصاص المسؤولين في كل مرفق، ولكن المطلوب من السيد رئيس مجلس السيادة والسيد رئيس الوزراء منح مشروع الجزيرة وامتداد المناقل يوماً واحداً يتم فيه اجتماع مشترك يرأسه السيد رئيس مجلس السيادة، ويضم السيد رئيس مجلس الوزراء والسيد وزير الزراعة والري والسيد وزير المالية والسيد محافظ مشروع الجزيرة والسادة ممثلو المزارعين في (مجلس تنظيم أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني بمشروع الجزيرة وامتداد المناقل) المنتخبين انتخاباً مباشراً والمفوضين من المزارعين تفويضاً كاملاً. مع ضرورة أن يُعد للاجتماع إعداداً جيداً، بإعداد كل مسؤول ما يليه من معلومات وحقائق وأرقام، بوضع النقاط على الحروف. والظروف الحالية والتي يعيشها المشروع من تردي الري، والذي بسببه فقد معظم المزارعين محاصيل العروة الصيفية نتيجة العطش الذي طال الكثير من التفاتيش بالمشروع، وواقع الحال تعكسه مئات الفيديوهات التي تبث من داخل الحقول لمزارعين يوثقون لضياع محاصيلهم بفعل العطش وانسداد قنوات الري بكاملها في كثير من المواقع بالمشروع، وقد قام مزارعون كثر بحفر منافذ المياه من مواردهم الذاتية، رغم شح الجازولين وانعدامه في الفترة الماضية، ومع ذلك كانت النتيجة مخيبة لآمالهم؛ لأن الكثير من القنوات الرئيسة والفرعية انعدم فيها الماء تماماً. وإذا كان واقع الحال يحكي عن فشل العروة الصيفية، ونحن على أعتاب الموسم الشتوي الذي هو على الأبواب، تقتضي الضرورة الملحة إيجاد معالجات إسعافية بتوفير الجازولين ومدخلات الإنتاج والمياه، والمشروع لا زال عظمه قوياً إذا وجد المعينات المذكورة آنفاً.
ومشروع الجزيرة كان لعقود طويلة ممتدة من الزمن هو العمود الفقري الداعم الأول لاقتصاد السودان. وكانت عائدات القطن طويل التيلة من أهم المصادر لرفد الخزينة العامة للدولة بالعملات الحرة التي يتم بها الاستيراد من الخارج، وكانت عائدات القطن تدعم الفصل الأول الخاص بالمرتبات وتساهم في دعم فصول الميزانية العامة الأخرى، وفي عام 1970م عندما أعلن الرئيس الراحل جعفر النميري الحملة العالمية والمحلية لمحاربة العطش في دارفور، والتي وجدت تجاوباً ونجاحاً منقطع النظير، كان مشروع الجزيرة وامتداد المناقل على رأس المتبرعين الداعمين لتلك الحملة العظيمة، إذ تم خصم 2% من عائدات القطن في ذلك العام لصالح تلك الحملة، بالإضافة لخصم تبرع من كل مزارع عند صرف حقوقه من عائدات الأرباح.
والمشروع كان مفخرة السودان، ولذلك كان كل رئيس يزور السودان يوضع في برنامجه زيارة رئاسة المشروع ببركات، وقد زارت المشروع الملكة أليزابيث عندما زارت السودان في عام 1965م، وزار قبلها الرئيس السوفيتي برجنيف عند زيارته للسودان في عام 1962م، وزاره الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس تيتو والرئيس نكروما…. إلخ.
وفي العهد العسكري النوفمبري كان أعلى مرتب في الدولة يتقاضاه الرئيس إبراهيم عبود، ويليه مباشرة ويأتي في المرتبة الثانية بعده في بند المرتبات والامتيازات السيدان محافظ مشروع الجزيرة ومدير جامعة الخرطوم. وكان محافظ مشروع الجزيرة يتم اختياره من أفضل الكفاءات الرفيعة ذات الشخصيات القوية، وأول محافظ لمشروع الجزيرة هو السيد مكي عباس، الذي عمل بعد ذلك بالأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة حتى بلغ منصب نائب السكرتير العام للأمم المتحدة همرشولد، الذي مات في حادث تحطم طائرة بالكنغو. وخلف السيد مكاوي سليمان أكرت، وكيل وزارة الداخلية وعميد الخدمة المدنية، السيد مكي عباس في منصب محافظ مشروع الجزيرة، وتولى المنصب بعده السيد ميرغني الأمين الحاج، وكيل وزارة الداخلية، وتوالى تولي المنصب تباعاً أصحاب كفاءات ذات مستوى عالٍ عندما كان المشروع في عهده الذهبي، وكان العمل من قاعدته لقمته وفي كل المستويات يسير بدقة كساعة بق بن، وكذلك تركت قيادات المزارعين بصماتهم وأدت دورها بهمة واقتدار… ودار الزمان دورته وشهد مشروع مرحلة التدمير بدل التعمير في سنوات التيه، وهوى من قمته السامقة للسفح، وغطى التهريج السياسي (مع أو ضد) على العمل والإنتاج.. ولنترك هذا جانباً لأنه يحتاج لصفحات كثيرة، ولنقف عند الحاضر الماثل اليوم، وبكل أسف فإن المشروع الآن في وضع يُرثى له. ومناطق كثيرة تعاني من العطش، وبدلاً من تصويرها لتجد الاهتمام اللازم والسعي لإيجاد المعالجات، يحدث العكس بتصوير وبث صور لمناطق لا تعاني من العطش. والضرورة تقتضي تقييم تجربة إدارة الري التابعة لإدارة مشروع الجزيرة، وهي جزء منها، والسؤال هو: هل نجحت التجربة أم فشلت؟ وهل الأفضل الوضع السابق بتبعية الري لوزارة الري أم الوضع الحالي هو الأفضل؟ وما ذكرته غيض من فيض، وهناك تساؤلات كثيرة وأشياء تدعو للتعجب، مثل عدم صرف عدد كبير من العاملين مرتباتهم لعدة أشهر، وعدم وجود معينات في النقل وغيرها للقيام بمهامهم الميدانية، وغير ذلك، وبالنسبة للمزارعين فهم جمل الشيل، وقد تحملوا ولا زالوا يتحملون فوق طاقتهم دون سند أو عضد.
والمشروع يرسف في ديون ثقيلة، ويرى البعض أن المعالجات الإسعافية لأوضاع المشروع تقتضي تعاقدات مع شركات غنية، وهي قطعاً ليست جمعيات بر وإحسان، ومن حقها أن تسعى لتحقيق فوائدها. والموضوع يحتاج لدراسات وافية كافية تحفظ حقوق المشروع صاحب الأرض والمياه والأصول، ولا بد من إشراك المزارعين المنتجين أصحاب الحق الأصيل عبر ممثليهم الشرعيين.