د. إبراهيم شقلاوي يكتب: قداسة الفكرة وسؤال الدولة

وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي

قداسة الفكرة وسؤال الدولة

بالأمس، جمعتني جلسة دافئة بعدد من الأصدقاء الأحبة وزملاء الدراسة، استعدنا فيها الإلفة، وتبادلنا الحديث حول قضايا شتى، من بينها تجربة الإسلاميين في الحكم. وكان من بين الأسئلة التي استوقفتنا، هل أدركت النخب السودانية أن خسارة السلطة قد تكون أهون من خسارة الدولة؟ سؤالٌ فتح باب النقاش حول خروج الإسلاميين من الحكم، وما صنعته حسابات الداخل وتدخلات الخارج في مسار تلك التحولات.

واستحضر النقاش ما يحيط بالسودان من مهددات إقليمية ودولية، وتقاطعات المصالح حول موارده وموقعه الاستراتيجي. فبرزت أسئلة مفتوحة، هل خرج الإسلاميون من الحكم بفعل اختلال موازين القوى، أم بتراجع محسوب لتفادي مخاطر انهيار البلاد، أم أن تحولًا بدأ من الداخل انتهى إلى مسارات تأثرت بالخارج؟ و هل امتلكت القوى السياسية القدرة على إدارة التحولات بما يحفظ الدولة، أم أصبحت الدولة نفسها ساحةً لتصفية الحسابات وتنافس المشروعات الداخلية والإقليمية والدولية؟

لذلك، فالسؤال الأهم ليس من ربح السلطة أو خسرها، بل ماذا بقي من الدولة بعد صراع المتنافسين عليها؟ وهل حافظت القرارات السياسية على وحدة المؤسسات والسيادة الوطنية، أم جعلت مستقبل البلاد رهينًا لموازين القوى الداخلية والخارجية؟ فالدولة ليست جائزةً لمن ينتصر، ولا ملكية لحزب، بل الإطار الذي يحمي المجتمع وحقوقه وموارده، ويضمن استمرار الوطن رغم تعاقب الحكومات واختلاف الأيديولوجيات.

أعادنا هذا النقاش إلى سنوات الجامعة، حين كان الحد الأدنى الذي يجمع الكثيرين بفقه تلك المرحلة هو الصلاة، بما تمثله من قيمة دينية وأخلاقية. أما اليوم فإن الحد الأدنى الذي يفرضه واقع السودان هو الإلتقاء حول دولة حرة ذات سيادة، تتسع لمواطنيها على اختلاف أفكارهم، ولا تحتكرها جماعة أو يختزلها مشروع سياسي. وهذا ليس بالضرورة تراجعًا عن القيم، بل انتقال من مرحلة التكوين الفكري إلى نضج المسؤولية الوطنية، من سؤال ما الفكرة التي تجمعنا إلى سؤال ما الدولة التي نريد بناءها.

هذا يجعلنا أقرب لأفكار مالك بن نبي في هذه المرحلة من خلال حديثه عن شروط النهضة والعلاقة بين الفكرة والإنسان والعمل الحضاري. ووفق هذه المقاربة، التي أكد فيها أنه ليس كاف أن يعمل المجتمع علي إعلاء فكرةً يؤمن بصوابها، بل عليه أن يحولها إلى قدرة على البناء والإنتاج وتنظيم الحياة العامة علي قاعدة الاتفاق المفضي إلى تقديم الدولة أدوم من الاتفاق المفضي إلى تقدم الحزب. وبالمثل لا يكفي أن يصل مشروع سياسي إلى الحكم ليبرهن على نجاحه، فالمعيار هو ما يضيفه إلى مؤسسات الدولة، والقدرة علي تحقيق العدالة وإدارة التنوع وحماية السيادة.

لذلك تبدأ الأزمة حين تصبح الفكرة غايةً في ذاتها، وتتحول الدولة إلى وسيلة لتمكينها، ويغدو نقد السلطة مساسًا بالمبدأ الذي ترفعه. عندها تختلط قناعة الجماعة بالمصلحة الوطنية، ويصبح الولاء للمشروع مقدمًا على المساءلة عن نجاحه و نتائجه. وهذه ليست معضلة الإسلاميين وحدهم، فكل أيديولوجيا، دينية كانت أم علمانية، تصبح خطرًا على الدولة حين تدّعي احتكار الحقيقة أو ترفض حق المجتمع في مراجعة خياراتها.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يكون الانتماء للسودان اليوم، مشروطًا بالانتماء إلى جماعة فكرية أو تنظيم سياسي، كما لا ينبغي أن تتحول الوطنية إلى أيديولوجيا جديدة تستبدل الإقصاء باسم الوحدة. فالقول إن الوطن فوق الأيديولوجيا لا يعني إلغاء الأفكار أو مصادرة حق الناس في التنظيم والتعبير، وإنما يعني إخضاع الأفكار والمشروعات السياسية لمعيار المصلحة الوطنية، وقياسها بما تقدمه من حلول واقعية، وبما تحققه حريات وعدالة، لا بما ترفعه من شعارات أو تدعيه من امتلاك للحقيقة.

ومع ذلك، فإن الانتقال من الأيديولوجيا إلى الوطن لا يتحقق بمجرد إعلان المراجعة. فالمراجعة الحقيقية لا تعني التخلي عن المواقف القديمة تحت ضغط اللحظة، ثم العودة إليها عندما تتغير الظروف، وإنما تعني امتلاك الشجاعة للاعتراف بأوجه القصور، ومساءلة التجارب، والتمييز بين القيم التي تستحق الدفاع عنها والأدوات التي أثبتت فشلها. كما تعني ألا نمنح أفكارنا حصانةً لمجرد أننا آمنا بها في مرحلة من حياتنا، وألا نعتبر تغيير الرأي هزيمةً أخلاقية، فالثبات على المبدأ فضيلة، أما الثبات على الخطأ خوفًا من الاعتراف به فليس إلا شكلًا من أشكال العجز عن التعلم.

بحسب وجه الحقيقة، لعل الفارق بين تجربتنا في الجامعة ووعينا اليوم لا يكمن فقط في تبدّل الحد الأدنى الذي يمكن أن يجمعنا، من الصلاة، إلى سيادة البلاد، باعتبارها الهدف، بل في اكتشافنا المتأخر أن السياسة لا تُقاس بمدى إخلاصنا للفكرة، وإنما بمدى إخلاص الفكرة للإنسان والوطن والقيم . لقد كنا نبحث عن المشترك الذي يوحّد الناس حول مشروع فكري، أما اليوم فينبغي أن نبحث عن المشروع الوطني الذي يوحد السودانيين ويحمي حقوقهم، ويمنع أي فكرة من التحول إلى وصاية على المجتمع.
دمتم بخير وعافية
22 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com