محجوب أبوالقاسم يكتب: المواطن في مرمى النيران

محجوب أبوالقاسم

المواطن في مرمى النيران

منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب بدأت تتكشف حقائق صادمة بددت كثيرا من الوعود والخطابات التي ظلت تقدم للمواطن تحت شعارات التغيير والإصلاح فقد اصطدمت الكلمات الرنانة والخطب التي أطلقها قائد المليشيا محمد حمدان دقلو حميدتي بواقع مأساوي عاشه السودانيين بعدما وجدوا أنفسهم في مواجهة مشاهد القتل والترويع والنهب والتشريد وتدمير الممتلكات.
لقد اكتشف المواطن مع توالي الأحداث أن الشعارات مهما بدت براقة لا قيمة لها حين تتناقض مع الأفعال وأن الخطاب الذي يتحدث عن حقوق الناس ومستقبلهم يفقد معناه عندما تصبح أرواحهم ومنازلهم ومصادر رزقهم مهددة وهكذا تحولت آمال قطاعات من المواطنين إلى خيبة موجعة، ووجد الشعب السوداني نفسه يدفع ثمن حرب أثقلت كاهله ومزقت نسيجه الاجتماعي وهددت أمنه واستقراره.

لم تكن معاناة المواطن مجرد نتيجة عابرة للصراع بل أصبحت محورا أساسيا في المشهد المأساوي الذي خلفته الحرب. فالمنازل التي شيدت بعرق السنين تعرضت للنهب والتخريب والأسواق التي كانت تنبض بالحياة أصابها الدمار والأسر التي عاشت في أمن واستقرار وجدت نفسها مضطرة إلى النزوح تاركة خلفها ذكرياتها وممتلكاتها وكل ما جمعته عبر سنوات طويلة من الكفاح.
إن مشاهد الاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم وما رافقها من ترويع وتشريد وانتهاكات تطرح أسئلة جوهرية حول حقيقة الشعارات التي رفعت قبل الحرب ومدى التزام أصحابها بحماية الإنسان وحقوقه وكرامته.
فأي مشروع يمكن أن يدعي الدفاع عن المواطن بينما يدفع المواطن ثمنه من أمنه وبيته ولقمة عيشه وأي خطاب يمكن أن يقنع السودانيين بوعود المستقبل، فيما يعاني كثيرون منهم مرارة النزوح والفقد، ويكافحون من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب جديدة بقدر ما تحتاج إلى أفعال واضحة توقف معاناة المدنيين وتحفظ أرواحهم وممتلكاتهم.
تدمير البنية التحتية.. جرح يتجاوز حدود الحرب
لم تتوقف تداعيات الحرب عند الأضرار المباشرة التي لحقت بالمواطنين، بل امتدت إلى البنية التحتية والمرافق الحيوية، في ظل العمليات العسكرية والهجمات التي طالت منشآت وممتلكات في مناطق متضررة.
إن تدمير المرافق الخدمية والبنية الأساسية لا يعني خسارة مباني أو معدات فحسب بل يعني تعقيد حياة ملايين السودانيين وتعطيل الخدمات التي يعتمدون عليها وإطالة أمد معاناتهم، ورفع كلفة إعادة الإعمار التي سيتحمل الوطن والمواطن أعباءها لسنوات مقبلة.
وحين تتضرر مصادر المياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية يصبح المدنيون أمام معركة يومية من أجل البقاء، وتتضاعف معاناة الفئات الأكثر احتياجا وفي مقدمتها الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى.
ومن هنا فإن حماية المدنيين والمنشآت المدنية ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب، بل مسؤولية عاجلة تفرضها اعتبارات الإنسانية والقانون، وتتطلب وقف كل ما يعرض حياة الناس للخطر.
شعب لا تنكسر إرادته
على الرغم من حجم المأساة وفداحة الخسائر، يظل الشعب متمسكا بوطنه، متشبثا بأرضه، ومؤمنًا بأن المحن مهما اشتدت لا يمكن أن تلغي حقه في الحياة الكريمة أو تنتزع منه الأمل في المستقبل.
لقد أظهر السودانيون، في مختلف مراحل هذه الحرب، قدرا كبيرا من الصبر والتماسك والتكافل، ووقف كثيرون منهم إلى جانب المتضررين والنازحين في مشاهد عكست أصالة المجتمع السوداني وقدرته على التكاتف في أحلك الظروف.
إن هذا الشعب الذي قدم التضحيات دفاعا عن أرضه وكرامته يستحق أن تصان أرواحه، وأن تحمى ممتلكاته، وأن تتوقف معاناته، وأن تتضافر الجهود من أجل استعادة الأمن والاستقرار.
كما أن التمسك بوحدة الوطن وسلامة أراضيه يجب أن يقترن بالحرص على حياة المواطنين وحماية المدنيين، فالمواطن هو جوهر الوطن، وكرامته وأمنه من أهم مقومات قوته واستقراره.

على المليشيا أن تدرك أن العنف والترويع والتدمير لا يمكن أن تؤسس لمستقبل مستقر، وأن معاناة المواطنين لن تتحول إلى وسيلة لكسب الشرعية أو فرض الأمر الواقع. فالأوطان لا تبنى على أنقاض منازل مواطنيها ولا تصان الحقوق بترويع أصحابها، ولا تصنع الأوطان المستقرة بمزيد من الدماء والدمار.
إن مراجعة هذا النهج ووقف الانتهاكات، وتغليب صوت العقل، والاستجابة لمتطلبات إنهاء الحرب بنهاية المليشيا تمثل ضرورة وطنية وإنسانية لا تحتمل مزيدا من التأجيل.

إن الحرب مهما طالت لن تغير حقيقة راسخة، وهي أن السودان أكبر من أي جماعة أو تنظيم أو قوة مسلحة، وأن مصير الوطن لا ينبغي أن يختزل في إرادة حملة السلاح، بل يجب أن يكون مرهونا بحق شعبه في الأمن والسلام والكرامة.
وسيظل المواطن رغم الجراح صاحب الحق الأصيل في وطنه، وسيظل الأمل قائما في استعادة الدولة لعافيتها وإعادة إعمار ما دمرته الحرب وعودة النازحين إلى ديارهم وفتح صفحة جديدة عنوانها السلام والاستقرار وسيادة القانون.
فالأوطان لا تنهض بالدمار والشعوب لا تهزم ما دامت متمسكة بحقها في الحياة والتاريخ لا يخلد إلا من وقف إلى جانب الإنسان وكرامته.
وستبقى إرادة الشعب أكبر من محاولات كسرها، وسيظل السودان وطنا عصيا على الانكسار مهما تكالبت عليه المحن ومهما اشتدت عواصف الحرب.

22 اكتوبر2026م

ولنا عودة