
الفاشر .. ذاكرة النزوح وجراح المجازر
الفاشر .. ذاكرة النزوح وجراح المجازر
تقرير: الهضيبي يس
تمر الذكرى الأولى لسقوط مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور في منتصف شهر أكتوبر، لتعيد إلى الأذهان مشاهد الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع عقب اجتياح المدينة، التي صمدت لنحو عامين قبل أن تحين لحظة الانقضاض عليها، ومقتل مواطنين بدم بارد على يد السفاح «أبو لولو» وأعوانه. ولم يتوقف مسلسل الانتهاكات عند هذا الحد، بل امتد إلى بقية المدن السودانية في ولايات غرب كردفان وشمال كردفان وجنوب كردفان. وربما كان ذلك ما دفع رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، عبد الفتاح البرهان، إلى التأكيد على عدم خوض أي حوار أو تفاوض مع حكومة مليشيا الدعم السريع «تأسيس»، وهو ما يُعد بمثابة إغلاق الباب أمام أي توقعات بشأن تسوية سياسية، على خلفية خطوة استصدار قرار بشطب عدد من البلاغات المتعلقة بسياسيين في الخارج.
وكانت مدينة الفاشر قد فقدت نحو 18 ألف مواطن بين قتيل وجريح، ناهيك عما تعرضت له مؤسسات الدولة ومرافقها من دمار ونهب، بدءاً بحادثة اجتياح المستشفى السعودي. وما يزال الناجون، من أطباء ومرافقي مرضى، يروون تفاصيل ما حدث، وعيونهم تذرف الدموع بعد النجاة من الموت بأعجوبة، مؤكدين أن أشخاصاً دُفنوا أحياءً على يد الدعم السريع، فضلاً عن وجود مجموعة أخرى خُصصت لها مقابر جماعية في أطراف المدينة، ضمت نساءً ورجالاً وأطفالاً.
فقد شهدت مدينة الفاشر حصاراً امتد لنحو عامين، تقطعت خلاله السبل أمام وصول المواد الغذائية والإغاثية، ما ترتب عليه انعدام تام لمنتجات الدقيق والدخن، وهما من المحاصيل الرئيسية التي يعتمد عليها المواطنون هناك. فضلاً عن خروج معظم المرافق الصحية ومحطات المياه عن الخدمة، ما أدى إلى تفشي الأوبئة وانتشارها، ووفاة ما يقارب خمسة آلاف مواطن جراء التدهور الغذائي، الذي وصل إلى حد تناول «الأمباز» ومخلفات الحيوانات لسد رمق الجوع.
والآن، عقب سقوط المدينة في أيدي مليشيا الدعم السريع وما أعقب ذلك من ارتكاب أبشع الانتهاكات الإنسانية، أُفرغت المدينة من سكانها بشكل شبه تام، لتتحول إلى مدينة أشباح، بعد أن فقدت بريقها السابق وتاريخها الناصع ودورها الاجتماعي وسط السودانيين. وترتبط المدينة بإرث مملكة «الفور» وقصر السلطان علي دينار، كما تمثل حلقة وصل بين ثلاثة مواقع جغرافية سودانية غاية في الأهمية؛ فهي تربط إقليم كردفان بمدن الأبيض والفولة وأبيي، وتمتد شمالاً عبر طويلة وكتم، وصولاً إلى درب الكبابيش المؤدي إلى مدينة الدبة. كما أن موقع الفاشر الاستراتيجي جعلها مطمعاً لكثيرين عبر التاريخ، بمن فيهم بعض دول منطقة الساحل الأفريقي.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي علي منصور أن سقوط مدينة الفاشر، بعد حالات متتالية من الصمود، في يد مليشيا الدعم السريع، أشعل جذوة الحماس والرغبة لدى السودانيين في ضرورة استعادة المدينة، فضلاً عن تعزيز الدور الإنساني بعد السقوط، من خلال التكافل الاجتماعي بين أبناء السودان، فور وصولهم إلى نقاط آمنة، مثل مدن طويلة والدبة وغيرها. وأضاف أن سقوط الفاشر كشف للسودانيين حجم زيف الخطاب الذي ظلت قيادات الدعم السريع تصر على ترويجه للمواطنين، بزعم أنها تخوض حرباً ضد ذوي التهميش، وتسعى إلى استعادة التوازن الاجتماعي بين المركز والهامش، بينما كان أول ما قامت به هو تنفيذ مجزرة تُعد الثانية من نوعها، عقب مجزرة الجنينة، بحق أهالي دارفور.
ويضيف منصور أن ما يتطلبه الموقف حقاً هو عدم الصمت، بل البحث عن حقوق المجني عليهم، خاصة في ظل ما يتردد عن إطلاق عملية سياسية في البلاد. فأي تحرك سياسي دون التطرق إلى العدالة الانتقالية وإقرار مبدأ محاسبة الجناة لن ينجح مطلقاً، بل سيولد مزيداً من الانقسامات والانشقاقات. وشدد على ضرورة جعل ما حدث لمدينة الفاشر ومواطنيها دافعاً لاتخاذ قرار تتسارع بموجبه خطوات تحرير المدينة، التي أصبحت، وفقاً للوقائع والأحداث، أقرب إلى التحرير من أي وقت مضى، مقارنة بالعام الماضي، منذ بدء محاولات مليشيا الدعم السريع إسقاطها.
وزاد: أن كافة المؤشرات تشير إلى اقتراب خطوة تحرير المدينة، ومتى ما حدث ذلك، فإن الطريق باتجاه بقية مدن الإقليم سيكون أسهل مما يتوقع الجميع. حينها، سيكون الجيش قد بسط يده على نحو 75% من الأراضي السودانية، وقطعاً سينعكس ذلك على الروح المعنوية وسط عناصر المليشيا وقياداتها، التي تتجه نحو الانهيار. وعلى الصعيد الخارجي، ستتغير موازين المعادلة السياسية بالنسبة إلى المجتمع الدولي وبقية الدول الداعمة للدعم السريع، إذ ستتأكد لها قدرة القوات المسلحة والحكومة السودانية على إنهاء الحرب وفقاً لرؤيتهما ووجهة نظرهما، بعيداً عن فرض قسمة للمساواة الإقليمية والدولية بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، كما ظل مطروحاً على مر الوقت.
