حسين خوجلي يكتب: أسمار وأفكار في ليلة السبت

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أسمار وأفكار في ليلة السبت

1
وصايا المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيرة وقيمة، وكل وصية فيها تشكل حلاً لمعضلة سياسية واقتصادية واجتماعية. ومن وصاياه التي تستحق التدبر لدى متخذي القرار من الأفراد أو المؤسسات وصيته في الحديث الشريف (لا تغضب).
وفي أدب التجمل بالصبر وتجاوز الغضب للمصطفى صلى الله عليه وسلم عدة طرق مجربة لاستقرار النفس وإعادة الهدوء للأفراد وقادة المؤسسات، والتدبر فيها والالتزام بها يمحي الكثير من البيوت من الخصام والطلاق والفرقة، ويحمي القادة من اتخاذ قرارات تشل الدولة وتنهار بفعلها الحالك الأوطان في حالة الغضب، ونزوع النفس صوب برامج الشيطان.
فقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة في الحديث فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: (لا تغضب)، فردّد، قال: (لا تغضب) رواه البخاري.
ومن الهدي النبوي في حالة الغضب:
أ_ الاستعاذة بالله: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند الغضب، لقوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
ب_ تغيير الهيئة: أوجب هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يغيّر الشخص وضعيته؛ فإن كان قائماً فليجلس، وإن كان جالساً فليضطجع (يستلقي)
ج_ السكوت وإمساك اللسان: نصح النبي صلى الله عليه وسلم بضبط اللسان والسكوت عند الغضب حتى لا يصدر عن الإنسان ما يندم عليه لاحقاً.
د_ الوضوء: حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على الوضوء، لأن الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، والنار تطفأ بالماء.

2
ولأن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان خريج مدرسة الهدي النبوي فقد كان يقول في باب الغضب: لحظة صبر في لحظة غضب تمنع ألف لحظة ندم.

3
كان أستاذنا الشاعر واللغوي مصطفى طيب الأسماء عليه الرحمة يتمثل بحكمة دائماً ما كان يرددها ويستغرق في نوبة ضحك طويل بقوله: لا بد في بعض الأحايين أن تتصنع عدم الفهم في كثير من الأمور، ليتنفس عقلك الهواء فهو ليس لرئتيك فقط.

4
سألني أحد الصحفيين يوماً عن مفهوم الحرية خارج الصندوق فأسعفتني مقولة تيودور أدورنو بقوله الشائع عند أهل السياسة والصحافة: ليست الحرية أن تختار بين الأبيض والأسود بل أن تبتعد عن الاختيارات المحددة مسبقاً.

5
كثير ما يتضايق المرء من عسر الحياة ونوائب الدهر وضيقه وقلة صبره يمنعانه من الانتظار الحميد، فكرم الله تعالى لا يتأخر إنما يأتي في وقته المناسب كما يقول أهل النظر.

6
السفاح حميدتي الذي أرادوه حاكماً لخمسين مليون سياسي وهو لا يعرف عنها شرو نقير، وما دام كذلك وهو قطعاً كذلك، فإن لا أحد حدثه عن القيادي الأمريكي الأسود الشهيد مالكوم إكس، ولا أحد حدثه عن مقولته التي تسخر من حالته الراهنة وهو يعلق دماء الأبرياء من الأطفال والأرامل واليتامي والنازحين، (غريبون هؤلاء البشر: سقطت تفاحة فعرفوا معنى الجاذبية، وسقطت آلاف الجثث ولم يعرفوا معنى الإنسانية).

7
من أصدق الأقوال التي يمكن الاستدلال بها على إدانة الزهو والكبرياء والغرور، قصة إبليس الملعون الطريد من رضا الخالق وقرب العزيز الحكيم
ولقد كان إبليس فيلسوفاً وعالماً ومجادلاً وكان يبهر الملائكة بعلمه وفلسفته حتى لقد سموه طاووس العابدين لفرط زهوه بعلمه وعبادته. وقد ظل سبعين ألف سنة يعبد ويتفلسف ويجادل والملائكة يتحلقون حوله يستمعون ويعجبون ولكن الله يعلم أن هذا المخلوق المختال المزهو المتكبر الذى يحاضر في المعرفة الإلهية هو أقل مخلوقاته معرفة به وأن كلامه لا يدل على قلبه. وإنما سيد الأدلة على المعرفة وعدمها هو السلوك عند الأمر والنهى (ساعة يتصادم الأمر مع الطبع والهوى).
وهذا ما حدث حينما جاء أمر الله لإبليس بالسجود، فشق ذلك فشق ذلك على كبريائه واستعلائه وزهوه وساعتها نسى ماكان يحاضر فيه منذ لحظات. نسى مقام ربه العظيم وجلاله وعظمته ولم يذكر إلا أنه مأمور بالسجود ولمن؟ لبشر من طين وهو المخلوق من نار.
فرد الأمر على الآمر وجادل ربه كأنه رب مثله، (قال أنا خيرٌ منه خلقتنى من نار وخلقته من طين) و(قال أأسجد لمن خلقت طيناً). وسقط إبليس مع أجهل الجاهلين فما عرف إبليس ربه
حين جادله وحين رد الأمر عليه لم تغن النظريات التي كان يدبجها ولا الحذلقات التي كان يبهر بها الملائكة والتي كان يصور بها لنفسه (أنه سيد العارفين).
فمهما ارتفعت في المكانة والمكان، لا تنسى أصلك ولا تنحاز عنه تكبرا واستعلاء، بل تواضع لله وكن من البسطاء، الذين لا ينكرون نعم الله عليهم وفضله العظيم.

8
سألت الأم ابنتها طالبة الفلسفة عن عبارة تؤطر لوحة ما بين المطبخ وغرفة الجلوس، اختارت لها بحذق ولطف عبارة ميخائيل نعيمة التي يقول فيها:
عندما تصبح المكتبة ضرورة كالطاولة، والسرير، والكرسي، والمطبخ عندئذ يمكن القول بأننا أصبحنا قوماً متحضرين.

9
السودانيون لهم مقولة تطل من قلب البيئة لإدانة شح النفس والاعجاب الكذوب بها (الجمل ما بشوف عوجة رقبتو) وبالفصيح يُقال: (يمكننا أن نرى بسهولة في الآخرين ما لا نهتم أو نجرؤ على رؤيته في أنفسنا).

10
ومسك الختام رائعة أبو العلاء المعري فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة هي أبيات من رائعته إذ يقول:
غَيْرُ مُجْدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي
نَوْحُ بَاكٍ وَلَا تَرَنُّمُ شَادِ
وَشَبِيهٌ صَوْتُ النَّعِيِّ إِذَا قِي
سَ بِصَوْتِ الْبَشِيرِ فِي كُلِّ نَادِ
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الْحَمَامَةُ أَمْ غَنَّ
تْ عَلَى فَرْعِ غُصْنِهَا الْمَيَّادِ
صَاحِ هَذِهْ قُبُورُنَا تَمْلَأُ الرُّحْ
بَ فَأَيْنَ الْقُبُورُ مِنْ عَهْدِ عَادِ؟
خَفِّفِ الْوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الْ
أَرْضِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَادِ
وَقَبِيحٌ بِنَا وَإِنْ قَدُمَ الْعَهْ
دُ هَوَانُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ
سِرْ إِنِ اسْطَعْتَ فِي الْهَوَاءِ رُوَيْدًا
لَا اخْتِيَالًا عَلَى رُفَاتِ الْعِبَادِ
رُبَّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْدًا مِرَارًا
ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُمِ الْأَضْدَادِ
وَدَفِينٍ عَلَى بَقَايَا دَفِينٍ
فِي طَوِيلِ الْأَزْمَانِ وَالْآبَادِ
فَاسْأَلِ الْفَرْقَدَيْنِ عَمَّنْ أَحَسَّا
مِنْ قَبِيلٍ وَآنَسَا مِنْ بِلَادِ
كَمْ أَقَامَا عَلَى زَوَالِ نَهَارٍ
وَأَنَارَا لِمُدْلِجٍ فِي سَوَادِ
تَعَبٌ كُلُّهَا الْحَيَاةُ فَمَا أَعْ
جَبُ إِلَّا مِنْ رَاغِبٍ فِي ازْدِيَادِ