
البروفيسور جون أباظا .. أستاذ الأدب الإنجليزي الذي اختار الخرطوم وطناً
حصل على وسام الإمبراطورية البريطانية
البروفيسور جون أباظا .. أستاذ الأدب الإنجليزي الذي اختار الخرطوم وطناً
ترجمه من صحيفة «ذا تايمز» البريطانية: أمين حسن عبد اللطيف
أمضى جون أباظا حياته المهنية في تدريس الأدب الإنجليزي بعيداً عن موطنه بريطانيا؛ فبدأ مسيرته في المدرسة التي درس فيها بالإسكندرية، ثم أمضى ما يقرب من أربعة عقود في السودان. وكان، في نظر زملائه وطلابه، رجلاً يجسد رقيّ السلوك ولباقة عصر مضى؛ أنيق المظهر على الدوام، واسع المعرفة بالأدب والفلسفة والموسيقى، حتى بدا علمه بهذه المجالات عصيّاً على الإحاطة. وقد اختار البقاء في الخرطوم سنوات طويلة، حتى بعدما غادرها معظم أبناء جاليته.
وُلد جون في كرويدون، جنوب لندن، في 28 نوفمبر 1931. وكان والده صلاح أباظا، وهو أحد ملاك الأراضي المنتمين إلى أصول شركسية عريقة، يدرس آنذاك للحصول على رخصة قيادة الطائرات في مطار كرويدون، فيما كانت والدته الإنجليزية، مارجوري تاورز، تنتمي إلى أسرة بريطانية. وسرعان ما عادت الأسرة إلى مصر، حيث نشأ جون في الإسكندرية، تلك المدينة الكوزموبوليتانية التي كانت تتجاور فيها اللغات اليونانية والإيطالية والفرنسية والعربية والإنجليزية، في الفيلات ذات الطراز المعماري «آرت ديكو» الممتدة على طول كورنيشها البحري.
وصلت الحرب العالمية الثانية إلى الإسكندرية في وقت مبكر من طفولته. وكان يتذكر سماع دوي مدافع معركة العلمين، التي تبعد أكثر من سبعين ميلاً عن المدينة، وهو لا يزال صبياً صغيراً. وكان والده، الذي تولّى قيادة مطار الدخيلة قبل أن تستولي عليه القوات الجوية التابعة للبحرية الملكية البريطانية عام 1941، يصطحب جون إلى سطح المنزل أثناء الغارات، ويطلق النار على طائرات العدو، في تصرف أقرب إلى العبث منه إلى الفعالية العسكرية، مستخدماً السلاح المناسب لكل منها من مجموعته الخاصة: مسدسات لوغر للطائرات الألمانية، وبيريتا للطائرات الإيطالية التابعة لسلاح الجو الملكي الإيطالي.
في عام 1938، التحق جون بكلية فيكتوريا، المدرسة الإنجليزية الشهيرة التي وُصفت أحياناً بأنها «إيتون الشرق الأوسط»، في إشارة إلى المدرسة البريطانية العريقة، وكان طلابها ينتمون إلى مختلف المجتمعات والثقافات في شرق البحر المتوسط. ومن بين زملائه في تلك المرحلة ميشيل شلهوب، الذي اشتهر لاحقاً باسم عمر الشريف، ومايكل عطية، الذي أصبح أحد أبرز علماء الرياضيات في القرن العشرين، وتولى لاحقاً رئاسة كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج، وهي الكلية نفسها التي كان جون على وشك الالتحاق بها.
غادر جون المدرسة عام 1949، والتحق بكلية ترينيتي لدراسة اللغة الإنجليزية وآدابها. وكان من بين أساتذته المشرفين على دراسته الدكتور ثيودور ريدباث، الباحث المتخصص في أعمال شكسبير والتلميذ السابق للفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، الذي تركت معاييره الأكاديمية الصارمة أثراً دائماً في أسلوب جون في التدريس.
وبعد حصوله على درجة الماجستير، عاد إلى كلية فيكتوريا في منتصف خمسينيات القرن الماضي مدرساً، حيث درّس الإنجليزية والدراما وأشرف على لعبة الكريكيت. وكان من بين طلابه الأمير الحسن بن طلال، الذي أصبح لاحقاً ولياً للعهد في الأردن. وبعد أزمة السويس، أمّمت الدولة المدرسة وأُعيدت تسميتها «كلية النصر»، وغادر معظم أعضاء هيئة التدريس البريطانيين، إلا أن جون بقي فيها قرابة عقد من الزمن.
غير أن وراء هذه التحولات العامة مأساة شخصية قاسية؛ إذ صودرت ممتلكات أسرة أباظا، التي تنتمي إلى طبقة ملاك الأراضي من ذوي الأصول الشركسية، في عهد جمال عبد الناصر. وقد ترك فقدان تلك الممتلكات أثراً مدمراً في جون، ودفع والده إلى إنهاء حياته.
في عام 1967، عُيّن جون محاضراً في الأدب الإنجليزي بجامعة الخرطوم، التي كانت تُعرف آنذاك على نطاق واسع باسم «أكسفورد إفريقيا». وهناك تعرّف إلى إيزوبيل سميث، وهي محاضرة زميلة له في الجامعة. وتزوجا عام 1969، ورُزقا بطفلين، مالكولم وكاتريونا، اللذين بقيا على قيد الحياة بعد وفاته. وانتهى زواجهما بالطلاق عام 1977، ثم غادرت إيزوبيل وطفلاها السودان إلى سلطنة عُمان عام 1979.
أما جون، فقد اختار البقاء في الخرطوم، المدينة التي أصبحت موطنه الحقيقي. ومع مرور الوقت، رُقّي إلى مرتبة الأستاذية، وواصل تدريس أعمال شكسبير وميلتون وشعراء الحركة الرومانسية لأجيال متعاقبة من الطلاب السودانيين، ظل كثير منهم على تواصل معه بالمراسلات سنوات طويلة.
وفي عام 1992، مُنح وسام الإمبراطورية البريطانية برتبة ضابط (OBE)، تقديراً لخدماته في مجال الثقافة البريطانية في السودان. ثم نال عام 1996 وسام النيلين من الطبقة الأولى، وهو أحد أرفع الأوسمة السودانية، الذي كان يُمنح في العادة للسفراء المغادرين بعد انتهاء مهامهم.
وتولى جون لسنوات طويلة رئاسة نادي السودان، الذي ظل لعقود مركزاً اجتماعياً رئيسياً للجالية البريطانية المقيمة في الخرطوم. وهناك أشرف على فرقة الهواة المسرحية، وقدم أداءً مميزاً في شخصية السير روبرت تشيلترن في مسرحية أوسكار وايلد الشهيرة «زوج مثالي».
غير أن أشهر مغامراته وقعت بعد سنوات طويلة، حين أُغلق النادي وأُحكم إغلاق قبو المشروبات التابع له. ففي تسعينيات القرن الماضي، وبعد تشديد حكومة عمر البشير القيود المفروضة على المشروبات الكحولية، دار الحديث في السفارة البريطانية حول هذا الموضوع، فإذا بجون يذكر أنه يعرف مكان مخزون كبير منها: قبو النادي الذي أُغلق منذ زمن بعيد.
وفي جنح الليل، انطلقت سيارة لاند روفر تقل عدداً من أفراد الأمن التابعين للسفارة، وجميعهم من العسكريين السابقين في القوات الخاصة، وكان البروفيسور أباظا، الذي تجاوز الستين من عمره آنذاك، دليلاً لهم. وبإرشاده، اقتحموا القبو، وحملوا ما أمكن حمله من المخزون.
ولم يكن منزله خالياً من رفقة دائمة؛ فقد كان شديد التعلق بالقطط. وكانت أولى قططه تُدعى «سيرل»، وهو اسم اختاره لها بسبب مظهرها العابس، وقد لازمته عشرين عاماً، ثم توالت ذريتها لتواصل رفقته.
وفي عام 1997، تزوج الدكتورة غلوريا غيلهام، التي أمضت سنوات طويلة في العمل لدى إدارة التنمية الخارجية البريطانية في إفريقيا. وفي عام 2005، تقاعد الزوجان وانتقلا إلى إيستبورن. وبعد انتقال غلوريا إلى دار متخصصة في رعاية المصابين بالخرف عام 2019، استقر جون في ووكينج ليكون قريباً من ابنته كاتريونا.
احتفظ جون حتى نهاية حياته بسحر الشخصية ولباقة السلوك اللذين ميّزا جيلاً سابقاً. وكانت معرفته بالأدب الإنجليزي والفلسفة الغربية والموسيقى الكلاسيكية موسوعية، كما كان من أشد المعجبين بموسيقى ريتشارد فاغنر. وعلى الرغم من أنه عاش في شبابه حياة حافلة بالمتعة والاختلاط الاجتماعي، فإنه ظل راوياً لبقاً، مرحاً وكريماً، لا تنضب حكاياته عن الإسكندرية وكامبريدج والخرطوم، مهما تكررت روايتها.
وهكذا طوى جون أباظا صفحة حياة استثنائية امتزجت فيها الثقافة البريطانية بالجذور المصرية، والخبرة الأكاديمية بحب السودان، والالتزام بالتدريس بشغف الأدب والموسيقى. وقد ترك وراءه إرثاً إنسانياً وثقافياً راسخاً في ذاكرة أجيال من طلابه وأصدقائه، وفي المدينة التي اختار أن يجعلها وطنه.
