19 يوليو وما زال السؤال حائرًا: (الحزب الشيوعي نحروه أم إنتحر)؟

كتب: محرر ألوان

تمر علينا هذه الأيام ذكرى انقلاب 19 يوليو 1971م، والتي مضى عليها أكثر من (50) عامًا، وما زال الغموض يكتنف ظروفها وأحداثها وأسرارها، فقد قضى هذا الانقلاب العسكري الدموي على أكبر حزب ماركسي في المنطقة، صنعته موسكو على يديها لتقديم نموذج ثوري في المنطقة العربية والإفريقية والإسلامية، تجربة تصاعد بها حزمة من السودانيين الأذكياء والأغبياء معًا، وفي لحظة من لحظات الزهوة بالزمان والمكان، أحدثوا هذا الانقلاب الذي كانت ثمرته مذبحة بيت الضيافة التي قُتل فيها العشرات من الضباط الأبرياء، والتي قادت ببشاعتها إلى تصفية قيادات الحزب من المدنيين والعسكريين: عبد الخالق محجوب ورفاقه من الحزبيين، وهاشم العطا ورفاقه من العسكريين، وما زال السؤال الصعب قائمًا إلى يومنا هذا: (الحزب الشيوعي نحروه أم انتحر؟).
الصورة للسكرتير العام للحزب عبد الخالق محجوب يقف أمام نميري بعد أن تم إلقاء القبض عليه، ومن غرائب الأحداث أن هذا الحزب الحديدي في بنيته السرية عجز عن تأمين زعيمه الأول، الذي ظل يتردد حائرًا بين بيوت الرفاق الذين لفظوه في ساعات العُسرة، فلم يجد ملاذًا إلا في بيت أهله بالدم لا بالفكرة، آل الكد، الذين أخفوه لأيام في بيوت مختلفة، وبشجاعة متناهية، ولكن بوشاية من أحد الرفاق، سقط الصيد الثمين في براثن الليوث الجائعة من خصومه، فتدلّى من مشنقة سجن كوبر الرهيبة، لتنطوي آخر صفحة من صفحات التطلعات الثورية غير المحسوبة في أرض تخاصمهم فكريًا وعقديًا وسجيّة. لم تنطوِ صفحة الحزب الشيوعي لوحدها، بل انطوت صفحة الاتحاد السوفيتي العظيم، التجربة المؤسسة، وصارت أحلام المادية الجدلية ضربًا من التاريخ والأمس والذكريات، ولم يجد تاريخ الحزب توثيقًا أبلغ من فتى أم درمان وعضو اللجنة المركزية أحمد سليمان المحامي:
(مشيناها خطى كُتبت علينا… ومن كُتبت عليه خطى مشاها).