كرري .. الانكسار الذي فاق الانتصار

كتب: محرر ألوان

ظنّت الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس أنها ستدخل أم درمان – العاصمة المؤمنة العصية – في موكب احتفالي، دون أن يتعرض لها أحد.
ولكن كانت المفاجأة للغازي الذي جمع في جيشه كل الأجناس والأعراق، وكل الألسنة والملل والنحل، تمثيلاً لحرب صليبية جديدة، لكنه فوجئ بأن كل رجل في أم درمان، بل في السودان كله، قادر على حمل السلاح.
قابلوه بجسارة عند جبل كرري، وكان القرار: إما الموت في شأن الله، أو الحياة في الجنة الموعودة.
ودارت معركة غير متكافئة في العدة والعتاد، فهنا كان البريطانيون هم الأعلى، وغير متكافئة في الشرف والأخلاق، فقد كان السودانيون هم الأعلى، والاستعمار هو الأدنى.
ومن أصدق العبارات التي تُعبِّر عن الحقيقة المقولة المشهورة: (وشهد شاهد من أهلها). والشهادة حول أبطال السودان جاءت على لسان ونستون تشرشل – الذي كان مراسلاً حربياً في المعركة حينها، وأصبح لاحقاً رئيساً لوزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية – إذ كتب في كتابه حرب النهر معترفاً:
“إنهم أشجع رجال مشوا على وجه الأرض.”
‏ Yet these were as brave men as ever walked on earth
“لم نهزمهم، ولكن حطمناهم بقوة الآلة.”
“We didn’t defeat them, but we crushed them with the power of the machine.”
“لم تكن كرري معركة… بل كانت حادثة إعدام أبطال.”
Karari was not a battle…it was an execution of heroes.”
هذا ما كتبه التاريخ ووثقته الأقلام.
ومن هنا كانت كرري انتصار الشهداء، هي التي مهّدت لسودان 1956 باستقلاله الذي جاء مثل صحن الصيني: لا فيه شق ولا فيه طق.
إنه استقلال الأذكياء، الذي يحاول الأوغاد والخونة والعملاء والسفّاحون الآن في مجاهيل دارفور اتهامه بالقصور والفشل والتهميش. وأنّى لهم؟!
فإن التاريخ الذي يُكتب بالدم يظل ممهوراً بماء العيون وماء الذهب:
“ويذهب الزبد جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.”
اللقطة تُسجِّد وضاعة السفاحين الغزاة، مثلما تُظهر نصاعة الشهداء الأبرار، قبل استباحة أم درمان في 2 سبتمبر 1898م.