نميري والترابي.. تاريخ وعبرة

كتب: محرر ألوان

الباحثون في أمر السياسة السودانية لهم مقولة متفق عليها بأن جعفر نميري كان له مقدرة في حكوماته المختلفة في اجتذاب النجوم والكفاءات، وكان معياره دائماً أن تكون سودانياً (ولد بلد) تملأ عين القريب والبعيد بكفاءتك وجدارتك. ويقولون إنه في زيارته لأمريكا في الثمانينات مع مجلس وزرائه قال الرئيس الأمريكي لخاصته معلقاً في حفل العشاء للنميري ووزرائه: “إنني اكتشفت بأن الكابنيت السوداني أكثر ثقافة من الكابنيت الأمريكي”.
ومن مميزات الشيخ الدكتور حسن الترابي أنه كان بذكائه وفطنته وواقعيته دائماً ما يلتقط المواقف لصالحه ويطورها. فبعد المصالحة الوطنية عام 1977 التي عقدها الصادق المهدي مع نميري وهرب منها سريعاً، استفاد منها الترابي، واستطاع أن يسيطر على الحركة الطلابية والعمالية وأن يدرب كوادره على الاستوزار والإدارة، ويخطط لمشروعه في الاقتصاد والمؤسسات المالية. ذلك الجهد الذي أفضى إلى تكوينه الجبهوي العريض المتمثل في الجبهة الإسلامية القومية، والتي نال بها 51 عضواً في البرلمان، وكان الحصان الأسود في تلك المنافسة المحتدمة بينه وبين الأمة والاتحاديين، وصار متصاعداً حتى استولى على السلطة بحجته المقبولة جماهيرياً بالتصدي لقوات الحركة الشعبية بقيادة قرنق التي كانت على مشارف الشمال.
وقدم تجربته الإسلامية السنية التي استمرت لمدة ثلاثين عاماً، رغم انقسام الحركة بين الآباء المؤسسين والأجيال الجديدة والعسكريين. حقبة أثارت حقد وحيرة ودهشة التجربة الصليبية الصهيونية بأن الإسلام الحاكم قد دُفن في مقابر النسيان إلى الأبد. إنها تجربة الرجل التي أصبحت مناراً لكل حركات الإسلام السياسي الحاكم والمتطلع والمعارض.
ذهب الرجل وقد ترك في كل أسرة سودانية امرأة ورجلاً يؤمنون بمذهبه ومستعدون للتضحية والفداء والاستشهاد، وهي ذات الطلعية التي تصنع مع شعبها وجيشها مسيرة الانتصار القادم وإعادة السودان ليقف تحت الشمس من جديد.