
عبد اللطيف السيدح يكتب: رصاصة الرحمة
من الشرفات
عبد اللطيف السيدح
رصاصة الرحمة
في خطابه الأخير أمام قادة القوات المسلحة من رتبة اللواء فما فوق، بدا الفريق أول عبد الفتاح البرهان وكأنه ينفخ الروح في جثمان الدولة السودانية التي أنهكها الخذلان، ويعيد صقل معنى السيادة الوطنية في زمنٍ أصبح فيه الموقف يُشترى ويُباع. لم يكن خطابه مجرد كلمات، بل كان “نفساً حارا ضاق به صدره” فاخرجه من عمق جوانحه، لأنه ضاق بما رأى، وآن له أن يقول ما ظل يكتمه زمناً طويلاً.
وقف البرهان ثابتاً، لا يتلعثم ولا يراوغ، وهو يشيد بمبادرة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله لحل الأزمة السودانية، مبادرة تجردت من الأجندات الخفية، وطرحت الحل على قاعدة احترام السودان شعباً ودولةً ومؤسسات، هذه المبادرة كما فهمها السودانيون لم تبحث عن موطئ قدم ولا عن حصة في القرار السوداني، بل سعت إلى إنهاء الحرب وإنقاذ الأرواح واستعادة الدولة المختطفة.
لكن البرهان، وبصراحة المقاتل الذي لا يجامل، ذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن ما يُسمى بالرباعية، التي قال عنها بلا مواربة “غير مبرأة للذمة وليست نزيهة.”
لم يقلها تلميحاً ولا غمزاً، بل قالها قولة رجلٍ اكتفى من اللف والدوران حول الحقائق. وربما للمرة الأولى يكشف رأس الدولة بهذا الوضوح عن اعوجاج ميزان الوساطة الدولية، خاصة بوجود دولة الإمارات العربية المتحدة التي أضحت بحسب ما يراه الشارع السوداني طرفاً أصيلاً في المشكلة لا وسيطاً فيها.
خطاب رئيس الدولة لم يكن استعراض قوة، بل كان رصاصة الرحمة في جسد الرباعية، وكأنما رفع الغطاء ليظهر المستور، ويعيد توجيه البوصلة نحو الحقيقة. السودان لا يحتاج إلى وساطات متورطة، ولا إلى مبادرات متلوّنة، ولا إلى غرف مظلمة تصنع القرارات بالنيابة عنه. ما يحتاجه هو دعم صادق كالذي قدمته المملكة العربية السعودية، وظهير عربي يقف مع استقرار السودان ولا يغرقه في أزمته.
لقد خاطب رئيس مجلس السيادة والقائد العام لقوات الشعب المسلحة قادة الجيش بلغة يعرفونها وهى لغة المسؤولية والواجب والولاء الوطني. وبهذا الخطاب، بعث رسالتين مزدوجتين، الأولى للداخل بأن القوات المسلحة تقود معركة الكرامة بثقة وعزم، والثانية للخارج بأن السودان ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولن يقبل أن يُدار بمفاتيح الآخرين.
إنه خطاب أراد به البرهان أن يقول
كفى لن نساوم على وطن.
وإن كان في السياسة من يرقص على الحبال، فالرجل في هذا الخطاب اختار أن يقف على الأرض الصلبة، أرض السليقة، حيث لا مجاملة في الحق، ولا مواربة في السيادة، ولا تردد في تسمية الأشياء بأسمائها.
وهذا الخطاب سيُذكره الخطاب لأنه كان صريحاً، متمرداً على الدبلوماسية اللينة، ومتماهياً مع نبض السودانيين الذين تعبوا من أنصاف الكلمات وأنصاف المواقف.
والخلاصة تقول بأن البرهان كشح الحلة بوخا يلوي، لأن المرحلة تحتاج إلى رجالٍ يفيضون صراحة ووضوحا لا مياعة وغموضا في السياسة.