
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: السودان بين حق الرد وحافة الاشتعال الإقليمي
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
السودان بين حق الرد وحافة الاشتعال الإقليمي
في تصعيد لافت يحمل أبعادًا تتجاوز حدود الداخل، أعلنت الحكومة السودانية رسميًا تورط كل من الإمارات وإثيوبيا في قصف مطار الخرطوم باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكدة امتلاكها أدلة “قاطعة” على ذلك، ومشددة في الوقت ذاته على تمسكها بحق الرد في الزمان والمكان اللذين تحددهما.
هذا الإعلان لا يمكن قراءته بوصفه مجرد موقف سياسي عابر، لكنه يمثل تحولًا نوعيًا في خطاب الدولة السودانية، وانتقالًا واضحًا من مربع الاتهامات الضمنية إلى المواجهة العلنية المباشرة. وهو ما يضع الأزمة السودانية في سياق إقليمي أكثر تعقيدًا، ويعيد طرح تساؤلات حادة حول حدود التدخلات الخارجية في الصراع الدائر داخل البلاد.
اتهام ثقيل ورسائل متعددة
لغة البيان الرسمي، وما تبعها من مؤتمر صحفي مشترك لوزراء ومسؤولين عسكريين، عكست درجة عالية من الثقة في المعلومات التي بحوزة الحكومة. الحديث عن انطلاق المسيرات من خارج الحدود، وتحديدًا – وفق الرواية الرسمية – من الأراضي الإثيوبية، يفتح الباب أمام أزمة دبلوماسية مرشحة للتصاعد، ليس فقط مع الدول المتهمة، بل مع أطراف إقليمية ودولية قد تجد نفسها معنية بالتطورات.
في هذا السياق، يحمل الاتهام رسائل واضحة:
أولها للداخل، بأن الدولة ما تزال قادرة على تتبع مصادر التهديد وتحديدها بدقة.
وثانيها للخارج، بأن السودان لن يقبل بأن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
أما الرسالة الثالثة، فهي موجهة للمجتمع الدولي، ومفادها أن الخرطوم تضع هذه القضية على طاولة الاهتمام الدولي، في انتظار موقف يتجاوز بيانات القلق التقليدية.
حق الرد بين الضرورة والحسابات
إعلان التمسك بحق الرد يعكس موقفًا سياديًا مفهومًا في ظل ما تعتبره الحكومة “عدوانًا مباشرًا”. غير أن هذا الحق، في واقع معقد كالحالة السودانية، لا ينفصل عن جملة من التحديات. فالسودان يعيش بالفعل أوضاعًا داخلية دقيقة، وأي تحرك عسكري خارجي قد يفتح جبهات جديدة تزيد من تعقيد المشهد.
في المقابل، فإن تجاهل الحادثة أو الاكتفاء بالإدانة قد يُفسَّر على أنه ضعف، ما قد يشجع على تكرار مثل هذه الهجمات. وهنا تتجلى معادلة صعبة: كيف يثبت السودان قدرته على حماية سيادته دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة؟
الإجابة على هذا السؤال لا تبدو سهلة، لكنها على الأرجح ستعتمد على مزيج من التحركات: دبلوماسية نشطة، تصعيد قانوني عبر المنظمات الدولية، وربما ردود محسوبة تحمل طابع الردع دون التورط في حرب مفتوحة.
الصراع يتجاوز الحدود
أخطر ما في هذه التطورات أنها تعكس تحول الصراع في السودان من نزاع داخلي إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية. استخدام الطائرات المسيّرة العابرة للحدود، وتبادل الاتهامات بين الدول، كلها مؤشرات على أن الأزمة لم تعد محصورة داخل الجغرافيا السودانية.
هذا التحول يفرض على صناع القرار في الخرطوم تبني رؤية أكثر شمولًا، تتعامل مع الأزمة باعتبارها ملفًا سياسيًا وأمنيًا ودبلوماسيًا متكاملًا، وليس مجرد مواجهة عسكرية. كما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية حقيقية في منع انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع قد يصعب احتواؤه لاحقًا.
وحدة الداخل شرط قوة الخارج
في خضم هذه التطورات، تبرز أهمية الجبهة الداخلية. فالقضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية تتطلب حدًا أدنى من التوافق السياسي والمجتمعي. أي انقسام داخلي قد يضعف من الموقف السوداني خارجيًا، ويحد من قدرته على حشد الدعم الدولي.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة تستدعي خطابًا وطنيًا جامعًا، يضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبارات أخرى، ويعزز من تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المتصاعدة.
خاتمة
السودان اليوم أمام لحظة دقيقة، تتطلب توازنًا بين الحزم والحكمة. فحق الرد مشروع، لكن كيفية ممارسته هي ما سيحدد مآلات المرحلة المقبلة. وبين تصعيد قد يقود إلى مواجهة إقليمية، وتحرك محسوب يعيد تثبيت هيبة الدولة، يبقى الخيار بيد صناع القرار.
في النهاية، لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على الرد، بل بقدرتها على إدارة أزماتها بذكاء، وتحويل التحديات إلى فرص لاستعادة موقعها وسيادتها في محيط مضطرب.