كمال حامد يكتب: علم السودان بين الاستمرار والتغيير

من السبت إلى السبت

كمال حامد

علم السودان بين الاستمرار والتغيير

** علم السودان الحالي منذ مايو 1970م هو علم الثورات العربية كما سماه الزعيم جمال عبد الناصر منتصف الخمسينات، واخترناه بدلًا من علمنا الجميل ذي الألوان الثلاثة الجذابة، ضمن حماس أهل ثورة مايو الخالدة والتي كنت من مؤيديها، لنبحر في أمر العلمين القديم والحالي.
** علمنا القديم صممته على عجل المرحومة السيدة الشول بالألوان الثلاثة: الأزرق والأصفر والأخضر، وسعد به شعبنا لأنه يرمز للاستقلال من الاستعمار البريطاني المصري البغيض، وتغنى له الشعراء متغزلين في لونه الأزرق رمز السماء والماء، والأصفر رمز الأرض، والأخضر رمز الزرع، كما تغنينا بالزعيم الخالد إسماعيل الأزهري: (حررت الناس يا إسماعيل)، رحمه الله ورحم رفيقيه في رفع العلم السيد محمد أحمد محجوب والصاغ الجاك الماظ.
** لم يكن علم الاستقلال هو علمنا الأول، فقد سبق ورفع الأزهري علمًا آخر أبيض اللون مكتوبًا عليه بالإنجليزية SUDAN، ولذلك قصة لا أتردد في تكرارها كما وردت في مذكرات زعمائنا الوطنيين، ولها أكثر من دلالة ومعنى.
** قصة العلم الأبيض الأول وقعت في مدينة باندونق الإندونيسية في افتتاح أول مؤتمر لدول عدم الانحياز عن القطبين الأمريكي والسوفيتي، ومن قادة عدم الانحياز الزعماء اليوغسلافي جوزيف تيتو، والهندي جواهر نهرو، والغاني كوامي نكروما، والصيني شوان لاي، والمصري جمال عبد الناصر.
** قاد الزعيم الأزهري، رئيس أول حكومة وطنية (مدنياااااو)، وفد السودان للمؤتمر مع أعضاء حكومة حزبه الوطني الاتحادي صاحب الأغلبية (وسبحان الله كانت أول وآخر حكومة من اتجاه سياسي واحد يختارها الشعب المعلم الذي لم يجد بعد الأزهري من يستحق، وظللنا في حكومات حزبية ائتلافية أو عسكرية انقلابية).
** نعود لقصة العلم، ولم يكن السودان قد أعلن استقلاله، وحضر في طائرة واحدة مع الوفد المصري، وقبيل بداية الجلسة سارع الأزهري واتخذ موقعه وخلفه أعضاء الوفد، وهنا أشار له عبد الناصر أن يأتي للجلوس مع الوفد المصري. أجابه الأزهري: لقد نلنا استقلالنا حسب الاتفاقية. رد عبد الناصر: (بس ملكومش علم). رد الزعيم: (بسيطة)، وأخرج من جيبه منديله الأبيض المنقوش بقطيفة، وأخرج قلم حبره التروبين وكتب بالإنجليزية SUDAN.
** اهتز وصفّق الزعيم الصيني شوان لاي للمشهد العظيم كما اهتزت وخنقتني العبرة وتهزكم، وطلب شوان لاي من الأزهري العلم المنديل هدية للتاريخ، ووافق الأزهري، إلا أن إندونيسيا قررت الاحتفاظ به في معرض خاص ولا يزال هناك. غضب عبد الناصر وغادر بطائرته مع وفده، تاركًا وفد السودان الذي دبر أمر عودته عن طريق جدة التي أقام فيها ضيفًا على جمعية أبناء مشو، وتلك قصة تستحق العودة لها.
** العلم الحالي ذو الألوان الأربعة: الأحمر، الأخضر، الأبيض، والأسود، كان علم مصر وسوريا بعد إعلان الوحدة بنجمتين في الجزء الأبيض ظنًا منهم أن تشمل الوحدة كل دولة وتضاف نجمة، ولكن (تفرتقت الوحدة) وتفرق العرب، لكن بعضهم اختار العلم مع مصر وسوريا مع بعض التعديلات، والبداية بالسودان 1970م ثم فلسطين، الأردن، اليمن، الإمارات، الكويت، العراق وعُمان.
** بالنسبة لأمر تغيير العلم الحالي بالقديم أجد نفسي حائرًا بين التأييد والرفض لعدة أسباب، أولها أن علمنا القديم قد سارعت دولة الجابون باختياره بألوانه الثلاثة، وأذكر أن أحدهم في جدة سأل المشير المرحوم عبد الرحمن سوار الذهب عن العلم فكان السبب دولة الجابون، وهذه يمكن تجاوزها بإضافة بسيطة، ولكن هل نحن على إصرار (لنكشح حلو وماعون العرب؟) أم أن الحكمة في المزيد من التأمل، فقد يخرج الله من أصلاب زعماء اليوم من يعبد الله ويحسن علاقة المناصرة والمصير المشترك.

تقاسيم تقاسيم تقاسيم

 

** طمأنّا على صحته البدنية والمعنوية الأخ الكريم رفيق الدرب كبير المعلقين الأستاذ الرشيد بدوي عبيد، وابتسم وهو يستمتع بالتدرب على القدم الاصطناعية الجديدة، ربما يفكر في العودة للملاعب مع ناديه الأحرار. الرشيد طلب أن نشكر ونحيي الصناعات الدفاعية التي تكفلت بعلاجه ومديرها الرياضي الكبير سعادة الفريق أول ميرغني إدريس وأياديه ودعمه للرياضيين، ونذكر سعادته بأخينا وأستاذنا مأمون الطاهر وأخينا الصابر على المرض وعمليات القلب الأستاذ عصام ميرغني.
** نردد كثيرًا بأن الحس الوطني عند المغتربين دائمًا عالٍ، وهذا الأسبوع رسم أهلنا وشبابنا في دوحة العرب القطرية أجمل اللوحات ونالوا التقدير والاحترام من الجميع بمن فيهم رئيس الفيفا إنفانتينو، وكانوا وراء إلغاء وإحراج كل الترشيحات لخسارتهم أمام لبنان والجزائر.
** أبدع مدرب منتخبنا النجم الغاني إيبواه في المؤتمر الصحفي حين أعلن: (نشارك من أجل الفوز في المباريات والبطولة)، ردًا على الترشيحات السالبة، وكذلك تحدث في المؤتمر الصحفي اللاعب عمار طيفور بنبرة ولغة قوية، وأسعدني ذلك لأنه من أسرة عطبراوية وجيران، ووالده الأخ كمال طيفور الذي استضاف في روما معظم أعضاء الوفد الإعلامي في بطولة كأس العالم للناشئين عام 1991م.
** لاحظت — وقليل لاحظ — غياب الاتحاد العربي لكرة القدم من تظاهرة كأس العرب الحالية التي تم إسناد تنظيمها للفيفا والاتحاد القطري. أعتقد أن اتحادنا العربي له مبادئ وتعامل خاص مع الفرق العربية، وأن المرحلة للمادة والمال والحوافز الضخمة التي وصلت إلى سبعة مليون دولار للبطل وأكثر من ثلاثين مليون دولار لكل الفرق المشاركة، وهذه لا تجيدها إلا الشركات المتخصصة المتعاملة مع الفيفا.
** مر أول أمس اليوم العالمي للمعاقين، وأعلنت المنظمات الدولية عن الأرقام الخيالية لمعاقي الحرب في غزة والسودان وإجراء عمليات البتر بدون بنج. تذكرت منتخب السودان لذوي الحاجات الفائز بالمركز الأول لبطولة المعاقين في 1995م بمصر وما ناله من تكريم من الدولة والمجتمع، والسُّهرة الرياضية التي أبدع فيها بالغناء الفنانان المرحوم إبراهيم عوض وعبد الوهاب الصادق متنازلَين عن استحقاقاتهما والفرقة للأبطال.
** تابعت احتفال عطبرة باليوم العالمي لمرض السكر، والتي تنجح المدينة والولاية في الاحتفال به سنويًا، ووقفت عند تكريم شخصيتين لهما دورهما في العناية بهذه الفئة، وهما المهندس حمزة الفاضلابي والدكتور سيد أحمد الخطيب، وتحدث كل منهما مشيدًا بالآخر، وللعلم يختلفان سياسيًا، وهذه من خاصية وتميز عطبرة. خص الخطيب رفيقه الفاضلابي بأبيات من شاعر الشعب المرحوم محجوب شريف.
** احتفظ بمقالات دافعت فيها عن الدكتور سيد أحمد الخطيب، وتحدثت في اجتماع دعا له والي نهر النيل حاتم الوسيلة بعد يوم من أحداث التاسع عشر من ديسمبر التي كانت شرارة ثورة ديسمبر 2019م، مع آخرين أذكر منهم الإخوة حسن أحمد الشيخ وحسن حسين المحامي والمرحوم جعفر علي قمر، مطالبين بإطلاق سراح الخطيب والمعتقلين والتحقيق في حادثة إطلاق الرصاص وسقوط شهيدين. لم تكن لي علاقة بالدكتور الخطيب ولكن كنت أسمع والدتي — يرحمها الله — يلهج لسانها بالدعاء له وتقديره ورعايته لمرضاه.
** قدمت التهنئة لأخي الكريم الأستاذ محمد عبد القادر بمناسبة اختياره مستشارًا لرئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، وأتمنى ألا تؤثر الوظيفة على دوره الصحفي، وكم من مبدع حدّت الوظيفة من إبداعه. ولدي رأي آخر لبعض الزملاء ممن دفعتهم الغيرة المهنية لعدم التجاوب مع الاختيار، وأراهم يستحقون الاختيار أيضًا، وليت خانة الاختيار تسع الألف. نهنئ من يتم له الاختيار من بيننا كأنما كان الاختيار لنا، وهذا ما عبّرت عنه حين اختير الزميلان العزيزان الدكتور عمر الجزلي والأستاذ محمد محمد خير.
** رحم الله أخانا وبلدياتنا ودفعتنا في العمال والثانوية وفي الحياة العامة الأخ اللواء سيف الإسلام جمال الدين عبد المجيد، فقد كبير صاحب الابتسامة والضحكة المجلجلة. نعزي أنفسنا والأسرة الكريمة وأشقائه وأبناء عمومته، ونخص أشقاءه: الأستاذ عبد المجيد وأسامة وعصام، والعزاء للأهل في عطبرة ودنقلا وأرقو. إنا لله وإنا إليه راجعون.
** لا حول ولا قوة إلا بالله، ورحم الله الرمز الكبير سعادة اللواء عمر علي حسن الطيب، رمز عطبرة ورمز الشرطة ورمز الرياضة ورمز عشقه الهلال. كان رمزًا في كل ما سبق، وكان رجل مجتمع ورجل كتابة وثقافة. نسأل الله له الجنة، ونعزي أنفسنا ونعزي أسرتهم الكبيرة الممتدة من عطبرة للعاصمة إلى رفاعة، ونعزي الجيران بحي الفكي مدني، ونعزي كل أسرة الزعيم المرحوم الطيب حسن. إنا لله وإنا إليه راجعون.
** قد نلتقي السبت القادم إن كان في البدن صحة وفي العمر بقية.