في أدب الدين والدنيا

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

في أدب الدين والدنيا

 

1

هنالك الكثير من الممارسات في حياتنا الإجتماعية لا نلتزم فيها الأدب النبوي وهي في غالب الأحايين سلوكيات مربكة لأنها في الأغلب غير متفق عليها ومن تلك السلوكيات ما نمارسه حين نلقى أصدقاءها أوإخوتنا او زملاءنا أو مشايخنا ،فدائماً ما نرتبك ونحن نحاول التعبيرعن مشاعرنا نحو بعضنا البعض دون أن تكون لنا سابقة معرفة أو تدبير للموقف.
ولأن أدب الذوق والإتكيت في حياتنا ليس له وجود في مناهجنا أوثقافتنا فكثير ما نقع في الحرج لأننا لا نتفق كمجتمع تجاه ما نفعله في تلك الحالة المباغته وقد إستوقفني حديث المصطفى صلى الله عليه عليه وسلم في هذا الباب :
قالَ رجلٌ يا رسولَ اللَّهِ الرَّجلُ منَّا يلقى أخاهُ أو صديقَه أينحني لَه قالَ لا قالَ أفيلتزِمُه ويقبِّلُه قالَ لا قالَ أفيأخذُ بيدِه ويصافحُه قالَ نعَمْ.
حاشية: يلتزمه أي يعانقه، وفي عامية أهل السودان (القلدة)
رواه أنس بن مالك

2

كان أبو حنيفة عليه الرحمة قبل أن يتقلد الفقه تاجراً ولذا عليه الرحمة كان يعرف أداء الفرائض يحتاج لرضا واطمئنان وطمأنينة وأن الَرهَق والمصاعب تبدد طمأنينة العابد وقد اختار للحياة أسهلها حتى تكون العبادة على صعوبتها والجهد فيها ميسورة ومقدُورٌ عليها ، فقد كان عليه الرحمة يقول ويمكن أن نخرج من مقولته هذه شعاراً في الحياة والإقتصاد والسلوك :
الحج راكباً أفضل من الحج ماشياً ، فإن من حج ماشياً ساء خلقه فيؤذي الناس ،ومن ركب حسن خلقه فيتحمل عن الناس.

3

وفي بحث قديم ضاع مني ولكن بقي بعض عطره في النفس والخاطرة حول السلوك الراقي للمسلمين في أوائل عهدهم ذلك المنهج الذي سمعوه واقتدوا به ممارسة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجاً لطيفاً يغسل أهواء النفس ويبعد خواطر الشيطان،ومن بين هذه المنظومة الإنسانية الراقية قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دونَ الثالثِ إلا بإذنِه فإنَّ ذلك يُحزنُه)
رواه: عبدالله بن عمر

4

كان الحجاج معلماً للصبيان وكان أديباً ومحباً للشعر رغم قسوته ومن المُلح التي تحكى عنه أن دخل مسجداً في الكوفة ليصلى بالناس فوجد مكتوباً على منبره {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ} فكتب تحتها:{قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُور}
(وانتهي الموضوع دون مسائلة أو تفتيش أو مطابقة للخطوط).

5
الإمام الشعبي القاضي له عبارة مشهورة في إنصاف الكلاب وقد كان يقول حين يقابلها على الطريق إلى المحكمة : خير خصلة في الكلب أنه لا ينافق في محبته خَلافاً للبشر فإن بعضهم ينافقون في محبتهم.

6

وما دمنا في باب الكلاب فإن فيه تاليف وأقاصيص ومنها أن أبي العلاء تعثر برجل وهو خارج من عزاء والد الشريف المرتضى ساعة وصول أبي العلاء بغداد فقال الرجل لأبي العلاء المعري بصوت جهوري:
من أنت أيّها الكلب؟
فردّ أبو العلاء المعرّيّ بصوت يسمعه الشريف المرتضى:
الكلبُ مَنْ لا يعرفُ أنّ للكلبِ سبعين اسماً، وبدأ يعدّد أسماء الكلب قائلاً:
الكلب، الباقع، الوازع، الخيطل، السخام، العُربُح، العجوز، الدرباس، الأعقد، الأعنق، العملّس، القُطرب، الغرنيّ، الفَلحَس، الثَّغِم، الطَّلق، العواء، البصير، ثمثَم، كالب، هبلَع، مُنذِر، هجرع، كُسَيب، القَلَطيّ، المستطير، الدرص، الجرو، الرُّهدون، العولق، لعوة، عُسبورة (ولد الكلب من الذيبة)، الخَيهفعي، الهراكِلَة (كلاب الماء)، دأل، العِلوضّ،
وأكملها إلى سبعين، فعرف الشريف المرتضى أنه أبو العلاء المعرّيّ فرفع من مجلسه، وأكرمه وأجزل إليه وتلك الجلسة التي رثى فيها والده بقصيدته الشهيرة التي إبتدرها بقوله:
أوْدَى فلَيتَ الحادِثاتِ كَفَافِ
مالُ المُسيفِ وعنبرُ المُستافِ
وفي مدح الكلاب قال إبن المرزبان: إعلم أعزك الله أن الكلب لمن يقتنيه أشفق من الوالد على ولده والأخ على اخيه وذلك أن يحترس به ويحمي حريمه شاهداً وغائباً ونائماً ويقظاناً.
عزيزي المرزبان جزاك الله خيراً على مديحك وانصافك للكلاب ، في تلك الحقبة الطيبة ولكن لو سمعها أي عاقل من أهل زمانا البائس لقال: (ده كان زمان يا مرزبان، والله ما وراك كلاب اليوميين ديل من الجنجويد والشتات والغِربان والعربان).

7

أما أمير الشعراء فلم ينسى أن للكلب صفة واحدة هي الأمانة وأراد أن يورثها للإنسان دون وعظ غليظ أو نصيحة قارصة مباشرة لذا فقد إتكأ على هذه الصورة الزاهية المفعمة بالقيم والإخلاص حكاية الكلب مع الحمامة. فهل ياتُرى يدركها أبناء آدم في هذا الزمان التي تدق فيه القيامة علاماتها والجميع نِيام إلا من رحم الله وكلب شوقي وحمامته

حِكايَةُ الكَلبِ مَعَ الحَمامَه
تَشهَدُ لِلجِنسَينِ بِالكَرامَه
يُقالُ كانَ الكَلبُ ذاتَ يَومِ
بَينَ الرِياضِ غارِقاً في النَومِ
فَجاءَ مِن وَرائِهِ الثُعبانُ
مُنتَفِخاً كَأَنَّهُ الشَيطانُ
وَهَمَّ أَن يَغدِرَ بِالأَمينِ
فَرَقَّتِ الوَرقاءُ لِلمِسكينِ
وَنَزَلَت توّاً تُغيثُ الكَلبا
وَنَقَرَتهُ نَقرَةً فَهَبّا
فَحَمَدَ اللَهَ عَلى السَلامَه
وَحَفِظَ الجَميلَ لِلحَمامَه
إِذ مَرَّ ما مَرَّ مِنَ الزَمانِ
ثُمَّ أَتى المالِكُ لِلبُستانِ
فَسَبَقَ الكَلبُ لِتِلكَ الشَجَرَه
لِيُنذِرَ الطَيرَ كَما قَد أَنذَرَه
وَاِتَّخَذَ النَبحَ لَهُ عَلامَه
فَفَهِمَت حَديثَهُ الحَمامَه
وَأَقلَعَت في الحالِ لِلخَلاصِ
فَسَلِمَت مِن طائِرِ الرَصاصِ
هَذا هُوَ المَعروفُ يَا أَهلَ الفِطَن
الناسُ بِالناسِ وَمَن يُعِن يُعَن