
عريس وشهيد
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
عريس وشهيد
بالأمر النبوي عريس وشهيد
نهضت هذه الأمة الراشدة وبلغت المراقي والثريا ونشرت التوحيد وجعلت لها إمبراطورية في الدنيا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بالناس ويُعلي من قيمة الأفراد حتى الذين تزدريهم الأعين لدمامةٍ فيهم أو فقرً أو ضُعف نسب، وكان كل ذلك ينطبق سيدنا وقرة عيننا الشهيد جُليبيب الذي لم يجد بهذه الصفات المُقعِده الذي يزوجه ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يهتم بالقلوب والعقول والتقوى والإيمان لا يأبه لمظاهر الدنيا والأشكال والألوان والثراء.
وقصة جليبيب مع المصطفى صلى الله عليه وسلم وحكاية الصحابية الحسناء التي اختارته رغم تواضع هيئته الشكلية وفقره تؤكد أن هذه الأمة كانت فوق توقعات البشر والعامة أصحاب الإهتمامات الدنيوية الرخيصة، وقد كُتب لجليبيب الشهادة ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم ووسده قبره بيديه الشريفتين.
فهل أدركت الآن عزيزى القارئ لماذا تراجعت شعوبنا وأقطارنا؟ الإجابة ليست صعبة فهي متاحة في الأرض كالتراب سقطت هذه الامة لأنها ما عادت تهتهم بالأفراد والذي لا يهتم بالأفراد لا يهتم بالمجتمعات والذي لا يهتم بالمجتمعات لا يهتم بالأمم ،ولذا فرغم كثرتنا صرنا كغثاء السيل والحديث في هذا شهير رواه ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ ؟ قال لا ، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ).
أما حكاية جلبيب قد ذكرت في التراث وأفاد فيها الشراح قيل:
أن الأنصار إذا كان لأحدهم أيم، لم يزوجها حتى يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أله فيها حاجة أم لا؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار ذات يوم: زوجني ابنتك.
قال: نعم، وكرامة يا رسول الله، ونعمة عين.
قال: إني لست أريدها لنفسي.
قال: فلمن يا رسول الله؟ قال: ” لجليبيب “، قال: فقال: يا رسول الله، أشاور أمها.
فأتى أمها، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ابنتك، فقالت: نعم ونعمة عين.
فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، وإنما يخطبها لجليبيب.
فقالت: ألجليبيب إنيه، ثلاثاً، لعمر الله لا نزوجه.
فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، فقالت: أتردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، ادفعوني، فإنه لن يضيعني.
قال: فانطلق أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، قال: شأنك بها.
فزوجها جليبيبا، وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة له، قال: فلما أفاء الله عليه، قال لأصحابه: “هل تفقدون من أحد؟” قالوا: نفقد فلانا ونفقد فلانا.
قال: “انظروا هل تفقدون من أحد؟” قالوا: لا.
قال: “لكني أفقد جليبيبا، فاطلبوه في القتلى.
قال: فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقام عليه، فقال: “قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه”، مرتين أو ثلاثا، ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعده وحفر له، ما له سرير إلا ساعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم وضعه في قبره، ولم يذكر أنه غسله.
أما كرامات جلبيب وبركة فقد تنزلت من بعد على أرملته المؤمنة:
فتح لها الله أبواب الخير الكثير؛ مما جعلها أنفق أيِّم في الأنصار، وجعل الناس يتحدثون عن غناها الذي أغناه الله تعالى لها، قال سيدنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عن زوجة سيدنا جليبيب: “فَمَا رَأَيْتُ بِالْمَدِينَةِ ثَيِّبًا أَنْفَقَ مِنْهَا”، وقال سيدنا أُنَيس بن الضحاك: “فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَأَنْفَقُ بِنْتٍ بِالْمَدِينَةِ”، وقَال سيدنا ثَابِتٌ البناني: “فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا”، أغناها الله تعالى وفتح لها أبواب الرزق الواسعة ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها: “اللهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا.
الحالة الآسيوية أما أفريقيا فحدث ولا حرج
وقال بعضهم: نحن في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا والشر إلا إقبالا والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا، اضرب بطرفك حيث شئت هل تنظر إلا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدّل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بسمعه عن سماع المواعظ وقراً.
وقال آخر: نحن في زمان إذا ذكرنا الموتى حييت القلوب، وإذا ذكرنا الأحياء ماتت القلوب. ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
(لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر أخيه فيقول يا ليتني مكانه).
ليس من رأى كمن سمع
كان الأستاذ والمسرحي الساخر خالد أبو الروس يقول: معلقاً في قصيدة المتنبي في وصف الأسد، هذا وصف رجل كان قريباً من الليث وأوصافه للأسد تدل على ذلك. أما شعراء اليوم فإن رأوه في قفص حديقة الحيوان يتعرقون وتصيبهم الرعدة. ثم يجلجل ضاحكاً ويتبعه المجلس الوريف، ويقرأ الشاعر الراحل مهدي محمد سعيد بصوته البليغ أبيات المتنبي:
أَمُعَفِّرَ اللَيثِ الهِزَبرِ بِسَوطِهِ
لِمَنِ اِدَّخَرتَ الصارِمَ المَصقولا
وَقَعَت عَلى الأُردُنِّ مِنهُ بَلِيَّةٌ
نُضِدَت بِها هامُ الرِفاقِ تُلولا
وَردٌ إِذا وَرَدَ البُحَيرَةَ شارِباً
وَرَدَ الفُراتَ زَئيرُهُ وَالنيلا
مُتَخَضِّبٌ بِدَمِ الفَوارِسِ لابِسٌ
في غيلِهِ مِن لِبدَتَيهِ غيلا
ما قوبِلَت عَيناهُ إِلّا ظُنَّتا
تَحتَ الدُجى نارَ الفَريقِ حُلولا
في وَحدَةِ الرُهبانِ إِلّا أَنَّهُ
لا يَعرِفُ التَحريمَ وَالتَحليلا
يَطَءُ الثَرى مُتَرَفِّقاً مِن تيهِهِ
فَكَأَنَّهُ آسٍ يَجُسُّ عَليلا
وَيَرُدُّ عُفرَتَهُ إِلى يافوخِهِ
حَتّى تَصيرَ لِرَأسِهِ إِكليلا
وَتَظُنُّهُ مِمّا يُزَمجِرُ نَفسُهُ
عَنها لِشِدَّةِ غَيظِهِ مَشغولا