
السودان وليبيا .. الدبلوماسية في مواجهة مشاريع التفكيك
السودان وليبيا .. الدبلوماسية في مواجهة مشاريع التفكيك
تقرير: مجدي العجب
هي لحظةٍ تتكاثف فيها الغيوم فوق خرائطٍ أنهكتها الصراعات، وتتعالى فيها رهانات التفكيك على حساب وحدة الدول واستقرارها، تبرز الدبلوماسية السودانية كخيط نورٍ يشقّ العتمة، حاملةً معها صوت الدولة وإرادة شعبٍ يرفض الانكسار. من قلب طرابلس، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، وتتداخل تحديات الحاضر مع ذاكرة المصير المشترك، انعقدت جلسة مباحثاتٍ سودانية ليبية تحمل ما هو أبعد من مجرد لقاءٍ بروتوكولي؛ إنها رسالة سياسية صريحة بأن السودان، رغم الجراح، لا يزال فاعلاً في محيطه، ثابتاً على مواقفه، وماضياً في تثبيت أركان دولته. في هذه الزيارة، التي قادها وزير الخارجية السوداني، تتجلى ملامح مرحلةٍ جديدة من الحراك الخارجي، عنوانها استعادة التوازن، وبناء التحالفات على أسسٍ من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فالسودان، الذي يخوض معركة الكرامة دفاعاً عن سيادته ووحدة أراضيه، يدرك أن معركته ليست عسكرية فحسب، بل سياسية ودبلوماسية أيضاً، تتطلب حضوراً قوياً في العواصم المؤثرة، وصوتاً واضحاً في المحافل الإقليمية والدولية.
ولم تكن ليبيا، بقيادتها ومؤسساتها، بعيدةً عن هذا الفهم؛ إذ تعكس مواقفها المعلنة دعماً صريحاً لوحدة السودان ورفضاً قاطعاً لأي مشاريع تستهدف تفتيته أو النيل من سيادته. وهو موقفٌ يجد صداه في وجدان الشعب السوداني، ويعزز قناعةً راسخة بأن الأمن القومي في الإقليم كُلٌّ لا يتجزأ، وأن استقرار السودان وليبيا هو معادلةٌ واحدة، لا تقبل القسمة ولا التجزئة. وبين دفء الاستقبال الرسمي، ووضوح الرسائل السياسية، تتشكل ملامح تقاربٍ استراتيجي يتجاوز حدود اللحظة، ليؤسس لشراكةٍ أعمق في ملفات الأمن، والاقتصاد، والتنسيق الإقليمي، خاصة في فضاء الساحل والصحراء الذي بات مسرحاً مفتوحاً للتحديات والرهانات. كما أن تأكيد دعم المؤسسات الوطنية السودانية، وفي مقدمتها القوات المسلحة، يبعث بإشارةٍ قوية إلى أن معركة الدولة السودانية تحظى بإسنادٍ إقليميٍ معتبر، يعزز من صمودها في وجه التحديات.
هكذا، ومن بين ردهات القصر الرئاسي وممرات الدبلوماسية الهادئة، تتشكل قصةٌ أخرى للسودان؛ قصة دولةٍ تقاوم، وتتحرك، وتبني، مستندةً إلى جيشها ومؤسساتها، وإلى عمقها العربي والأفريقي، في سبيل استعادة الاستقرار وترسيخ السيادة. إنها ليست مجرد زيارة، بل خطوة في طريقٍ طويل، عنوانه: السودان أولاً… ووحدته خطٌ أحمر.
جلسة مباحثات مشتركة
وضمن فعاليات زيارته الرسمية إلى دولة ليبيا، عقد السيد وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محي الدين سالم أحمد، جلسة مباحثات مشتركة مع السيد الطاهر الباعور وزير الخارجية والتعاون الدولي الليبي، وذلك بحضور عدد من كبار المسؤولين من الجانبين. وشارك من الجانب الليبي مدير الإدارة العربية بوزارة الخارجية، والسفير الليبي لدى السودان الدكتور فوزي بومريز، والسيد رامي سعيد كمال المستشار بوزارة الخارجية الليبية، فيما ضم الوفد السوداني الفريق عباس بخيت نائب المدير العام لجهاز المخابرات العامة، والسفير إبراهيم محمد أحمد سفير السودان لدى ليبيا، والسفير الصادق عبدالله إلياس المدير العام للشؤون الأفريقية، والسفير عصام إدريس نائب رئيس البعثة السودانية في طرابلس. وتناول اللقاء سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، والتنسيق والتعاون المشترك في القضايا الإقليمية والدولية، في ظل التحديات المتشابهة التي تواجه السودان وليبيا، لا سيما في الجوانب السياسية والأمنية، وما يتعرض له البلدان من محاولات تستهدف زعزعة الاستقرار وتقويض مؤسسات الدولة. وأكد الجانبان أهمية التصدي للمخططات الرامية إلى تفتيت الجبهة الداخلية في البلدين، وضرورة تعزيز التنسيق السياسي والأمني بما يحفظ وحدة واستقرار السودان وليبيا. واتفق الطرفان على تفعيل آليات التشاور السياسي بين وزارتي الخارجية، وتكثيف التنسيق في المحافل الإقليمية والدولية، إلى جانب أهمية تنشيط العمل المشترك في قضايا فضاء الساحل والصحراء بما يخدم مصالح دول وشعوب الإقليم. كما شدد الجانبان على ضرورة تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري بين البلدين، بما يحقق المصالح المشتركة ويعود بالنفع المباشر على مواطني السودان وليبيا.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الليبي أهمية احترام إرادة الشعب السوداني وخياراته الوطنية، مشدداً على رفض ليبيا لأي أطروحات أو مشاريع تستهدف تقسيم السودان أو المساس بوحدته وسيادته، كما جدد دعم بلاده للمؤسسات الوطنية السودانية والقوات المسلحة السودانية، بما يمكنها من بسط سيطرتها على كامل التراب الوطني.
وأكد الجانب الليبي حرصه على إعادة فتح سفارته في الخرطوم، والشروع في صيانة فندق كورنثيا والاستثمارات الليبية في السودان، فضلاً عن استمرار الجهود لمساعدة السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مشيراً إلى أن الترتيبات الخاصة بعودة الفوج الأول تمضي بخطى متقدمة.
لقاء رئيس المجلس الرئاسي
والتقى رئيس المجلس الرئاسي الليبي، السيد محمد المنفي، السيد وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محي الدين سالم أحمد، والوفد المرافق له، وذلك بالقصر الرئاسي في العاصمة طرابلس. ونقل السيد الوزير تحيات أخيه فخامة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وتمنياته لليبيا وشعبها بدوام الأمن والاستقرار، مشيداً بما تحقق من إنجازات ملموسة انعكست إيجاباً على استقرار ليبيا ورفاه شعبها. كما أعرب السيد الوزير عن شكر وتقدير حكومة السودان للسلطات الليبية لما قدمته من دعم ورعاية للمواطنين السودانيين الذين لجأوا إلى ليبيا بسبب الحرب المفروضة على السودان، مشيداً بحسن الاستقبال وكرم الضيافة والمعاملة الكريمة التي حظوا بها. وأكد السيد الوزير تطلع السودان إلى أن تستعيد ليبيا دورها التاريخي والفاعل في الفضاءين الأفريقي والعربي، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية في المنطقة.
من جانبه، رحب فخامة رئيس المجلس الرئاسي الليبي بالسيد وزير الخارجية والوفد المرافق له، معرباً عن سعادته بما نقله من مشاعر أخوية صادقة من فخامة رئيس مجلس السيادة السوداني، ومؤكداً تقديره الخاص للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.
وشدد الرئيس محمد المنفي على عمق ومتانة العلاقات التاريخية التي تربط بين السودان وليبيا، وما يجمع الشعبين الشقيقين من روابط راسخة ومصير مشترك.
وأكد فخامته خصوصية الجالية السودانية المقيمة والوافدة إلى ليبيا، مشيراً إلى أن ما تقدمه ليبيا للمواطنين السودانيين هو واجب أخوي لا يستوجب الشكر، وأنهم يُعدّون جزءًً أصيلاً من النسيج الاجتماعي العربي والأفريقي المشترك.
كما أعرب السيد الرئيس عن تمنياته بأن يتجاوز السودان هذه المرحلة الدقيقة منتصراً وموحداً، وأن يستعيد مكانته الطبيعية بين الدول المتقدمة، مشيداً بما يتمتع به السودان من إمكانات واسعة وطاقات بشرية كبيرة. وأضاف أنه وجّه الجهات المختصة في ليبيا بمعاملة السودانيين معاملة توازي معاملة المواطنين الليبيين، تأكيداً لخصوصية العلاقات بين البلدين.
وجدد رئيس المجلس الرئاسي الليبي موقف بلاده الداعم للشعب السوداني وقيادته الشرعية، مؤكداً أن استقرار السودان يمثل جزءً لا يتجزأ من استقرار ليبيا، وأن أي محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار في السودان تمثل في ذات الوقت تهديداً مباشراً لأمن ليبيا والمنطقة.
المصالح العليا
ويقول الاكاديمي والمحلل السياسي دكتور الرشيد محمد إبراهيم أن زيارة وزير الخارجية السوداني إلى طرابلس تمثل تحركاً دبلوماسياً محسوباً في توقيت بالغ الحساسية، يعكس إدراك الدولة السودانية لأهمية توسيع دائرة الحلفاء الإقليميين في معركة تثبيت الشرعية وحماية وحدة البلاد. ويؤكد الرشيد في حديث ل “ألوان” أن التقارب مع ليبيا يحمل أبعاداً تتجاوز الإطار الثنائي، ليشكل جزءاً من إعادة تموضع السودان داخل محيطه العربي والأفريقي. ويضيف أن الرسائل الصادرة عن الجانب الليبي، خاصة ما يتعلق بدعم القوات المسلحة ورفض مشاريع التقسيم، تمثل دعماً سياسياً مهماً يعزز موقف السودان في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ويشير إلى أن تفعيل آليات التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين يمكن أن يسهم في الحد من التهديدات المشتركة في منطقة الساحل والصحراء.
وقال أن هذه الزيارة، إذا ما أُحسن البناء عليها، قد تشكل نقطة انطلاق نحو شراكة استراتيجية حقيقية، تعزز استقرار الإقليم وتخدم المصالح العليا للشعبين الشقيقين.
دفعة معنوية وسياسية
فيما يرى الاكاديمي والمحلل السياسي دكتور محمد تورشين أن زيارة وزير الخارجية السوداني إلى طرابلس تمثل خطوة مهمة في سياق كسر العزلة السياسية وتعزيز الحضور الخارجي للدولة السودانية في ظل تعقيدات المشهد الراهن. واكد في تصريح ل”ألوان” على أن التقارب مع ليبيا يعكس تقاطعاً واضحاً في المصالح الأمنية، خاصة فيما يتعلق بمكافحة التهديدات العابرة للحدود.
ويشير إلى أن الدعم الليبي لوحدة السودان ومؤسساته الوطنية يمنح الخرطوم دفعة معنوية وسياسية، لكنه يتطلب في المقابل ترجمة عملية عبر تنسيق أمني واقتصادي مستدام.
انفتاح اقليمي
اذاً ربما تعكس هذه الزيارة أن السودان يمضي بثقة في معركته المفتوحة دفاعاً عن سيادته ووحدته، مستنداً إلى جيشه ومؤسساته الوطنية، ومنفتحاً في الوقت ذاته على محيطه الإقليمي لبناء شراكات تعزز صموده. كما تؤكد مواقف ليبيا أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا بتماسك دولها ورفض كل مشاريع التفتيت والفوضى. وبين الإرادة السياسية والتحرك الدبلوماسي، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها: تثبيت الدولة، وكسب الأصدقاء، والمضي بثبات نحو استعادة الأمن والاستقرار.