
حسين خوجلي يكتب: عناوين
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
عناوين
إياكم وحرص الشيوخ في المال والسلطان
ما أقسى حرص الشيخ على الدنيا وما أبعد خطواته عن التوبة إن لم يتدبر ويخضع للدين والواقع، ولا أجد في هذه الفانية أقسى من حرص رجلٍ عليها. سُئل أحد العارفين يوماً :
ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشاب؟ قال لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشاب.
وما أحسن ما قال بعضهم:
إذا طاوعت حرصك كنت عبدا
لكلّ دنيئة تدعى إليها
وقال آخر وأجاد:
قد شاب رأسي ورأس الدهر لم يشب
إن الحريص على الدنيا لفي تعب
مطمورة الزهاد
هذه كلمات تصلح للسودانيين في واقعهم المعيشي الصعب، ولكن ما دام هنالك صبر ونيل وأرض وفيتريتا ودخن وقمح وبركاوي، فلن يكون على الوجوه تعب وإن كان في الأمرعجب.
قيل رجل صالح : من أين تأكل؟
فأشار إلى فِيِه وقال: الذي خلق هذه الرحى يأتيها بالطحين!
وقال سليم بن المهاجر الجيلي:
كسوت جميل الصبر وجهي فصانه
به الله عن غشيان كلّ بخيل
فما عشت لم آت البخيل ولم أقم
على بابه يوما مقام ذليل
وإنّ قليلا يستر الوجه أن يرى
إلى الناس مبذولا لغير قليل
القول المفيد للإمام الجنيد
ليت لنا قيادياً سودانياً رئيس لحزب أغلبية يعيد للأيدي الطعام، ويعيد للأرض السلام، قيادياً مثل سيدي وقرة عيني أبو القاسم الجنيد البغدادي فقد كان رضي الله عنه كثير الشفقة والحنو على أصحابه نصوحاً لجميع خلق الله من أعدائه وأحبابه، يدخل عليه أعدى عدوه، فيقبل ببشره وبره عليه، فيخرج عنده وهو أحب الناس إليه، كما قال بعضهم:
وإني لألقى المرء أعلم أنّه
عدوي وفي أحشائه الضغن كامن
فأمنحه بشري فيرجع قلبه
سليما وقد ماتت لديه الضغائن
صراخ السفهاء وصمت الحكماء
لو صمت السفهاء من أهل السودان وترك الحديث للحكماء على قِلتِهم لسمقت الطورية وانكسفت البندقية وما احتاج الوطن الرصين إلى مؤامرة برلين وخيانة (الخبوب والطين)
قال أعرابي: رب منطق صدع جمعا وسكوت شعب صدعا.
وقال وهب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، والعاشر في عزلة الناس، وقال علي بن هشام رحمة الله تعالى عليه:
لعمرك إنّ الحلم زين لأهله
وما الحلم إلّا عادة وتحلّم
إذا لم يكن صمت الفتى عن ندامة
وعيّ فإن الصمت أولى وأسلم
قلوب الصناديد (صناديق)
السودانيون يُطِلقون على الرجل الكتوم الذي يخفي أسراره وأسرارغيره بالصندوق، وهو أشرف من الصندوق الأسود فهذا يفتح وذاك يُغلِق ذاته على الأسرار حتى يأتيه اليقين.
ومن هذا الباب ما ذكره أصحاب النصحية، أن أحد الحكماء قال: قلوب الأحرار قبور الأسرار، وقيل الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار حمق.
وقال بعضهم:
إذا ما غفرت الذنب يوما لصاحب
فلست معيدا ما حييت له ذكرا
ولست إذا ما صاحب خان عهده
وعندي له سرّ مذيعا له سرا
كوميدي خطير بلا مسرح
لو جاء عثمان بن دراج الطفيلي في زماننا هذا لكان ملكاً للدراما ولمَدَ لسانه لعادل إمام ولانتظمت الصفوف أمام المسرح حتى مطلع الفجر.
قيل لعثمان بن دراج الطفيلي يوماً: أتعرف بستان فلان؟ قال: إي والله إنه الجنة الحاضرة في الدنيا.
قيل: لم لا تدخله وتأكل من ثماره وتستظل بأشجاره وتسبح في أنهاره؟ قال: لأن فيه كلبا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال.
الشاعر الأسمر الشجاع
ومن الأبيات التي يتأسى بها أهل الارض طرباً أبيات الأسمرالشجاع عنترة بن شداد، والذي تمنى الصحابة أنه شهد الإسلام. يقول فارس بني عبس:
يا دارُ أَينَ تَرَحَّلَ السُكّانُ
وَغَدَت بِهِم مِن بَعدِنا الأَظعانُ
بِالأَمسِ كانَ بِكِ الظِباءُ أَوانِساً
وَاليَومَ في عَرَصاتِكِ الغِربانُ
يا دارَ عَبلَةَ أَينَ خَيَّمَ قَومُها
لَمّا سَرَت بِهِمُ المَطيُّ وَبانوا
ناحَت خَميلاتُ الأَراكِ وَقَد بَكى
مِن وَحشَةٍ نَزَلَت عَلَيهِ البانُ
يا دارُ أَرواحُ المَنازِلِ أَهلُها
فَإِذا نَأَوا تَبكيهِمُ الأَبدانُ
يا صاحِبي سَل رَبعَ عَبلَةَ وَاِجتَهِد
إِن كانَ لِلرَبعِ المُحيلِ لِسانُ
يا عَبلَ ما دامَ الوِصالُ لَيالِياً
حَتّى دَهانا بَعدَهُ الهِجرانُ
لَيتَ المَنازِلَ أَخبَرَت مُستَخبِراً
أَينَ اِستَقَرَّ بِأَهلِها الأَوطانُ
يا طائِراً قَد باتَ يَندُبُ إِلفَهُ
وَيَنوحُ وَهوَ مُوَلَّهٌ حَيرانُ
لَو كُنتَ مِثلي ما لَبِستَ مُلَوَّناً
حُسناً وَلا مالَت بِكَ الأَغصانُ
أَينَ الخَلِيُّ القَلبِ مِمَّن قَلبُهُ
مِن حَرِّ نيرانِ الجَوى مَلآنُ
عِرني جَناحَكَ وَاِستَعِر دَمعي الَّذي
أَفنى وَلا يَفنى لَهُ جَرَيانُ
حَتّى أَطيرَ مُسائِلاً عَن عَبلَةٍ
إِن كانَ يُمكِنُ مِثلِيَ الطَيَرانُ