
ذكرى الحرب .. السودانيون أكثر تماسكًا
رغم المآلات والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية
ذكرى الحرب .. السودانيون أكثر تماسكًا
تقرير: الهضيبي يس
تمر الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع في 15 أبريل 2023، إذ تدخل البلاد عامها الرابع، وقد جرت العديد من المتغيرات التي تحمل الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني كذلك. فقد اتسعت رقعة (الحرب) في السودان، ولم تقف مجرياتها عند الحدود الداخلية، بل باتت تمتد لدول الجوار وما تحمله من مؤثرات اقتصادية واجتماعية، سربت من خلالها إحساسًا بتصاعد وتيرة الاختلالات الأمنية عند بعض الدول مثل ليبيا، مصر، تشاد، وأفريقيا الوسطى، التي سارعت مؤخرًا باتخاذ جملة تدابير احترازية لمجابهة تمدد الحرب السودانية.
عسكريًا: استطاع الجيش السوداني امتصاص صدمة الحرب الاولى، ولملمة أطرافه، ثم التحرك لإجهاض مشروع الدعم السريع الساعي للاستيلاء على السلطة عن طريق القوة المسلحة، والانتشار الكثيف داخل مؤسسات الدولة ووسط العاصمة الخرطوم خلال العامين الماضيين، وطرد عناصر (الدعم السريع) بحلول شهر مارس من العام 2024 من مدينة الخرطوم، عقب معارك عسكرية عنيفة حملت الطابع النوعي والتكتيك العسكري الدقيق من جانب الجيش.
سياسيًا: عمل مجلس السيادة الانتقالي في السودان بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان على تزويد المؤسسات الإقليمية والدولية بما يجري في السودان من تطورات على مستوى الحرب، فضلًا عن حجم الانتهاكات الإنسانية التي اقترفت على يد الدعم السريع بحق السودانيين، برغم توقيع اتفاق للسلام بحلول الحادي عشر من شهر مايو لعام 2023، ولكن سرعان ما تم اختراق الاتفاق من قبل الدعم السريع، الذي ارتبطت صورته الذهنية عند السودانيين بارتكاب أبشع الجرائم، بدءًا من حادثة مقتل والي ولاية غرب دارفور مرورًا بإنشاء عدة معتقلات مورست فيها عمليات التهديد والتهريب والاغتيال.
أضف إلى ذلك زيارة (البرهان) إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومخاطبة مجلس الأمن الدولي في ذات العام، وبعدها الانطلاق لتنفيذ جولات خارجية شملت السعودية، مصر، تركيا وقطر لإطلاع قيادات تلك الدول على الوضع السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يعيش فيه السودان، مما كان له الأثر الكبير على توفير بعض المساعدات الإنسانية التي عززت موقف الحكومة وقتها، حتى مجيء شهر يوليو من العام 2025، وهي لحظة الإعلان عن إجراء بعض التعديلات الدستورية على دستور العام 2019 – 2021 وتعيين رئيس للوزراء بصلاحيات كاملة، فكان د. كامل إدريس، حيث تم تشكيل أول حكومة في عهد الحرب بحلول 16 من شهر أغسطس الماضي.
اقتصاديًا: قامت الحكومة بإعداد موازنة رفعت من خلالها الطاقة الاستيعابية للكادر البشري بالدولة، زد على ذلك اتخاذ جملة من التدابير الاقتصادية لمجابهة الغلاء والإيفاء بالتزام انسياب الخدمات من الصحة والمياه والكهرباء والتعليم والخدمة المدنية والطرق والجسور، فكانت اللجنة الاقتصادية العليا برئاسة رئيس الوزراء وعضوية وزير المالية والطاقة والرعاية الاجتماعية ووزير الداخلية، وهي جهة حكومية معنية بالوقوف على تطورات الوضع الاقتصادي بالبلاد بصفة يومية، والعمل على توفر السلع الاستهلاكية ذات الطابع الاستراتيجي مع الحد من عمليات المضاربات حول النقد الأجنبي، ومراجعة الصفقات والاتفاقيات الاقتصادية وإدارة المشاريع على صعيد المركز والأقاليم.
اجتماعيًا: سعت الحكومة خلال العامين الماضيين إلى إنشاء العديد من الصناديق والمنظمات الخيرية لتوفير الدعم والمساعدة للمطابخ أو ما يعرف شعبيًا بـ(التكايا) لتخفيف احتياجات الأسر السودانية ناحية الغذاء، فضلًا عن توفير بعض السلع الأخرى مثل الأدوية والكساء في فصل الشتاء، وتنفيذ حملات التطعيم وسط الأطفال ضد الأمراض الناقلة. ويُعتبر تكاتف المجتمع السوداني أثناء أزمة الحرب أحد أبرز المقومات التي جابهت وتصدت للهجمة الشرسة التي تعرض لها الشعب السوداني، ومآلات ذلك سواء نزوح الملايين منهم أو اللجوء خارج البلاد.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عاصم إسماعيل أن قدرات الشعب وإرادته كانت أحد أهم الأسباب في التماسك وامتصاص صدمة الحرب ومواجهة مشروع الدعم السريع الرامي للاستيلاء على السلطة وإحداث تغيير اجتماعي وتجريف وسط عدة مجتمعات سودانية، ومتى ما مضى هذا الفعل والمخطط المدفوع من قبل بعض الأطراف الخارجية لكان السودان الآن قد تمزق وعاش كما حدث مع الصومال خلال العام 1986.
ويضيف عاصم: بينما إمكانيات الجيش التي دمجت ما بين الخبرة الممتدة في خوض المعارك العسكرية والتعامل وفق تكتيك محكم، عمدت إلى توجيه ضربة للدعم السريع مفادها تفكيك القوة الصلبة داخله، وبرغم التكلفة البشرية والمادية جراء ذلك، إلا أن الجيش استطاع تحقيق ما يرنو إليه، وما حدا بالدعم السريع أن خسر مشروعه والسودانيين نتيجة لذهابه نحو اقتراف المجازر بحق المواطنين العزل في ولايات الخرطوم، نيالا، الجزيرة، سنار، الجنينة، الفاشر، النيل الأبيض، شمال وجنوب كردفان، وصولًا لمرحلة مطالبة مؤسسات المجتمع الدولي باستصدار مذكرات توقيف بحق قيادات، بل وصدور قرارات بمثابة عقوبات دولية بحق هؤلاء الأشخاص الذين لم يتوانوا عن تنفيذ تلك الجرائم.
وزاد: الآن هناك حملة قد انطلقت (للتعافي) وسط السودانيين من مآلات تلك الحرب، ومن ثم الذهاب نحو تحرير بقية المواقع الجغرافية وتخليص مواطني أقاليم دارفور وكردفان من (الكابوس) الذي جثم على صدورهم طوال السنوات الماضية، ولن يحدث ذلك إلا عن طريق تماسك الشعب السوداني واعتبار الدولة واحدة شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، نظرًا لحجم التأثيرات والمآلات وارتباط كل موقع بالآخر سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وعلى المجتمع الإقليمي والدولي أن يدرك أن انهيار السودان يعني تأثر عدة دول في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا مرورًا بالقارة الأوروبية.