مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

 

ومن هنا جاء فن الشفرة

كنا في نادي الرمل بالجامعة نجلس مساءً حول أكواب الشاي ،وقد كان نصيب كل واحد منا في الأُنس أن يأتي بحكمة أو قصيدة أو آية أو حديث أو مَثَل أو معلومة ، ونختار لكل واحد منها إسماً ومعنى.
ومن الحكايات التي ظلت في خاطري تلك الحكاية التي كانت تُفصِح عن ذكاء الحكام ومعرفتهم بالأدب والشعر والحكمة، وعندما قرأعلينا أحد الزملاء الحكاية كان أصدق عنواناً لها (ومن هنا جاء فن الشفرة).
يُحكى أن بعض الملوك أرسل رجلاً من بطانته إلى بعض الجهات ليعرف خبر عاملها، ويطالعه بأخبار الرعية، فلما وصل الرجل فطن له العامل، فأرسل إليه بمال وتحف ثم قال: عرفت ما جئت له، وأنا أرغب إليك في كتاب تكتبه إلى الملك تذكر فيه أني حسن السيرة، وسالك طريق العدل، فإن أنت فعلت ذلك فلك مني ما تشتهي رغبتك إليه من الخير والعطاء، وإن أبيت ذلك أمرت الشرطيين أن ينهوا إلي من أمرك في الملإ ما يوجب قتلك إما حداً وإما سياسة، فأقتلك بمحضر من قاضي البلد ووجوه الناس، فتذهب كأمس الماضي.
فلما لم يجد الرجل بداً من موافقته ولم يكن ليخون مرسله كتب بحضرته كتاباً إلى الملك: أما بعد، أعز الله الملك وأكرمه، فإني قدمت إلى مدينة كذا وكذا فوجدت العامل فلاناً آخذاً بالحزم عاملاً بالعزم، قد ساوى بين رعيته، وعدل بينهم في أقضيته، وأرضى بعضهم بعضاً، وجعل طاعته عليهم فرضاً وأنزلهم منزلة الأولاد، وأذهب ما بينهم من الأحقاد، وأراحهم من السعي في الدنيا وفرغهم للعمل في الأخرى، أغنى القاصد وأرضى الوارد، فجميع أهل عمله داعون للملك يودون النظر إلى وجهه الكريم والسلام.
فلما وصل الكتاب منه إلى الملك فكر فيه وقال لوزيره: إن فلاناً لم يكن عندي بمتهم، فإن كتابه هذا يدل على ظلم العامل، فالتمس لي رجلاً يصلح لعمله، فإني قد عزلته.
فقال الوزير: أصلح الله الملك، وكيف ذلك؟ قال: لأن قوله آخذاً بالحزم عاملاً بالعزم أي أنه خائف مني لما اعتمده في الولاية، وأما قوله ساوى بين رعيته وعدل بينهم في أقضيته، فمعناه أنه لم يخص أحداً بظلمه بل الجميع سواء، وقوله: وأرضى بعضهم بعضاً: أي ذهبت أحقادهم لأن الشدائد تذهب الأحقاد، وقوله: أنزلهم منزلة الأولاد، معناه أخذ أموالهم ورأى أنها له أخذاً من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أنت ومالك لأبيك “. وقوله: وأراحهم من السعي في الدنيا، معناه أنه أخذ أموالهم ولم يترك لهم ما يسعون به ولا ما به يتجرون. وقوله: فرغهم للعمل في الأخرى، معناه أنهم لزموا المساجد والعبادة لفقرهم. وقوله: أغنى القاصد وأرضى الوارد فإنه يعني نفسه، أي أنه أعطاه مالاً ليكتب إلي بذلك. وأما قوله: فجميع أهل عمله داعون لنا، معناه أن يبصرنا الله بأمرهم، ونطلع على ما هم فيه. وقوله: يودون النظر لوجهنا أي يشكون إلينا ما لقوه منه ويستغيثون بنا..
ثم إن الملك طلب العامل وأحضره إلى بابه وأنصف الناس منه ورد عليهم ما كان العامل ظلمهم فيه واقتص منه فيما عليه فيه القصاص، وقابله على فعله والله أعلم.

هدية على مكتب رئيس الوزراء

الهدايا التي ترد على مكتب السيد رئيس الوزراء كثيرة وكثيفة، فليجعل هديتنا هذه واحدة منا وليصلح الله بال الوزير الأول ووزراءه الأدني، ونرجو من كل قلبنا أن لا تصبح يد الشعب هي الأدنى، وأصدق ما يقال في توصيف الوزراء وصلاحهم: (أن يكونوا كثيري الرحمة للخلق رُؤَفَاءُ بهم).
واعلم أنه ليس للوزير أن يكتم عن السلطان نصيحة، وإن استقلّها، وموضع الوزير من المملكة كموضع العينين من الرأس، وكما أن المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها وجودة صقلها ونقائها من الصدأ، كذلك السلطان لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير، وصحة فهمه، ونقاء قلبه.

إقبال وإدبار

قال يحيى البرمكي: أعط من الدنيا وهي مقبلة، فإن ذلك لا ينقصك منها شيئا، واعط منها وهي مدبرة فإن منعك لا يبقى عليك منها شيئا، فكان الحسن بن سهل يتعجب من ذلك، ويقول: لله دره ما أطبعه على الكرم، وأعلمه بالدنيا، وقد أمر يحيى من نظمه فقال:
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة
فليس ينقصها التبذير والسرف
فإن تولت فأحرى أن تجود بها
فليس تبقى ولكن شكرها خلف

إيرانيون

أكثر ما أعجبني في هذه الحكاية أن صاحب الأول (خراساني) وفي معاصرة الشعوب والبلدان فهو إيراني بحساب اليوم ، فإذا تَعَلم الإيرانيون العربية كما فعل علماؤهم الأوائل الإمام البخاري ،الإمام مسلم بن الحجاج ،محمد بن جرير الطبري ،الإمام النسائي،الإمام السمعاني، ابن سينا، محمد بن موسى الخوارزمي، أبو الريحان البيروني، جابر بن حيان ،الفخر الرازي والزمخشري وغيرهم، فإن هذا يعد النصف الآخر من الانتصار على أمريكا وإسرائيل.
وتقول الحكاية أنه وقف رجل خراساني بباب أبي دلف العجلي حينا فلم يؤذن له فكتب رقعة وتلطف في وصولها إليه وفيها:
إذا كان الكريم له حجاب
فما فضل الكريم على اللئيم

فأجابه أبو دلف بقوله:
إذا كان الكريم قليل مال
ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وأبواب الملوك محجّبات
فلا تستنكرنّ حجاب بابي

أدب العودة

تتكاثر هذه الأيام أشعار وأقوال العودة غناء ونشيداً، وحكايات وجزى الله منظومة الصناعات الدفاعية في سُنتها الحميدة بإعادة السودانيين، وأعان الله جهاز المخابرات في النَوَبة الثانية وهم يعيدون أهلهم بكل هذا الكرم والوفاء إلى بلادهم ولا يعرف الزمان بلاداً بَناها الغير فمرحباً بالسودانيين في السودان رغم القفر والفقر وشح المفردات .
قيل : إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل، ودوام عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وكثرة بكائه على ما مضى من زمانه قال الشاعر:
سقى الله أطلال الوفاء بكفّه
فقد درست أعلامه ومنازله
وقال آخر:
أشدد يديك بمن بلوت وفاءه
إنّ الوفاء من الرجال عزيز

وألقمته حجراً

كان النقد للأدب قديماً مطروحاً على الشوارع يناله أهل البصر والبصيرة والمكفوفين حتى ظلنا زمان ضاع الأدب والشعر وضاع النقاد، ولا عزاء لكثير عزة.
تقول الحكاية:
وقيل: بينما كثير عزة مار بالطريق يوماً إذا هو بعجوز عمياء على قارعة الطريق تمشي، فقال لها تنحي عن الطريق، فقالت له: ويحك ومن تكون؟ قال: أنا كثير عزة . قالت: قبحك الله، وهل مثلك يتنحى له عن الطريق، قال: ولم؟ قالت: ألست القائل:
وما روضة بالحسن طيبة الثرى
يمج الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزة موهنا
إذا أوقدت بالمجمر اللّدن نارها
ويحك يا هذا! لو تبخر بالمجمر اللدن مثلي ومثل أمك لطاب ريحها، لم لا قلت مثل سيدك أمرىء القيس:
وكنت إذا ما جئت بالليل طارقا
وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
فقطعته ولم يرد جوابا.

ما بين توتي وبُري كانت له أيام

الصديق الفنان الراحل حمد الريح كان صاحب صلة ووشائج بتجربتنا الإعلامية في قناة أم درمان الفضائية وإذاعة المساء والملتقي الثقافي بشارع 1 بالعمارات حيث كان يطلق ليلة ثقافية إسبوعياً تحت شعار( نحو أفق ثقافي طليق) ولنا في مكتبة المساء وقناة أم درمان الكثير من التسجيلات النادرة والرائعة لهذا الفنان المبدع( ود البلد) صاحب الصوت الشجي والتجربة الغنائية الرهيبة الكثيفة.
قلت له يوماً لقد توقفت يا حمد عن الابتدارات في بداية أغنياتك وهو ما سُمي في تاريخ الأغنية السودانية ( بالرميات) فقال لي: معتذراً أنه لم يجد نصوصاً تصلح لهذه الابتدرات، فأهديته في الحال قصيدة للشاعرالرقيق البهاء زهير، وهي مطولة، فقلت له اختار منها ما تشاء وكيف تشاء وقد أُعجب جداً بالقصيدة، ولكن شواغل الصحافة المكتوبة والمقروءة والمُشَاهدة شغلتنا عن التواصل فأرجو إن كان لأحد الإخوة تسجيلاً لهذه الاطلالة البهائية فليسعفنا بها هدية. وقديماً قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ( تهادوا تحابوا) وهذا مطلع ومسمع وأبيات من قصيدة البهاء زهير:

نَهاكَ عَنِ الغَوايَةَ ما نَهاكا
وَذُقتَ مِنَ الصَبابَةِ ما كَفاكا
وَطالَ سُراكَ في لَيلِ التَصابي
وَقَد أَصبَحتَ لَم تَحمَد سُراكا
فَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي
وَقُل لي إِن جَزِعتَ فَما عَساكا
وَكَيفَ تَلومُ حادِثَةً وَفيها
تَبَيَّنَ مَن أَحَبَّكَ أَو قَلاكا
بِروحي مَن تَذوبُ عَلَيهِ روحي
وَذُق ياقَلبُ ما صَنَعَت يَداكا
لَعَمري كُنتَ عَن هَذا غَنِيّاً
وَلَم تَعرِف ضَلالَكَ مِن هُداكا
ضَنيتُ مِنَ الهَوى وَشَقيتُ مِنهُ
وَأَنتَ تُجيبُ كُلَّ هَوىً دَعاكا
فَدَع ياقَلبُ ماقَد كُنتَ فيهِ
أَلَستَ تَرى حَبيبَكَ قَد جَفاكا
لَقَد بَلَغَت بِهِ روحي التَراقي
وَقَد نَظَرَت بِهِ عَيني الهَلاكا
فَيا مَن غابَ عَنّي وَهوَ روحي
وَكَيفَ أُطيقُ مِن روحي اِنفِكاكا
حَبيبي كَيفَ حَتّى غِبتَ عَنّي
أَتَعلَمُ أَنَّ لي أَحَداً سِواكا
أَراكَ هَجَرتَني هَجراً طَويلاً
وَما عَوَّدتَني مِن قَبلُ ذاكا
عَهِدتُكَ لاتُطيقُ الصَبرَ عَنّي
وَتَعصي في وَدادي مَن نَهاكا
فَكَيفَ تَغَيَّرَت تِلكَ السَجايا
وَمَن هَذا الَّذي عَنّي ثَناكا