د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: غياب السودان عن مؤتمر برلين .. هل يصنع العالم سلاما علي الورق؟

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

غياب السودان عن مؤتمر برلين .. هل يصنع العالم سلاما علي الورق؟

في قاعات برلين الهادئة، حيث اجتمع ممثلو ألمانيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، بدا المشهد وكأن العالم قرر أن يتحدث بصوت واحد عن السودان… لكن دون السودان نفسه.
هنا تتجلى المفارقة الصارخة:
هل يمكن أن يُصنع السلام في غياب من يكتوي بنار الحرب؟.
المجتمع الدولي لا يفتقر إلى النوايا المعلنة؛ وقف إطلاق النار، إيصال المساعدات، إطلاق عملية سياسية، حماية المدنيين… كلها أهداف نبيلة. لكن التجربة السودانية، مثل غيرها من الأزمات، تقول بوضوح إن السلام لا يُستورد، ولا يُفرض عبر البيانات الختامية، ولا يُصاغ في العواصم البعيدة مهما بلغت قوتها ونفوذها.
غياب السودان عن مؤتمر برلين ليس رسالة سياسية لكنه تعبير عن أزمة أعمق: أزمة ثقة بين الداخل والخارج. فالحكومة ترى في هذه المؤتمرات محاولة لفرض وصاية ناعمة، بينما يرى المجتمع الدولي أن التدخل ضرورة إنسانية وسياسية لا تحتمل التأجيل. وبين الرؤيتين، تضيع الحقيقة… ويضيع معها الأمل. والسودان تجارب عدة هدفها التدخل في شؤونه دون الرجوع اليه.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس لماذا غاب السودان، ولكن : ماذا بعد الغياب؟.
إذا مضى العالم في رسم خارطة طريق دون مشاركة حقيقية من السودانيين، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه هو “سلام على الورق” — اتفاقات جميلة في صياغتها، هشة في واقعها، سرعان ما تتكسر عند أول اختبار على الأرض.
وإذا تمسك السودان برفضه الكامل لكل مبادرة خارجية، فقد يجد نفسه في عزلة خانقة، يدفع ثمنها المواطن قبل السياسي.
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الحل لا يمكن أن يكون أحادي الاتجاه.
لا الخارج وحده قادر على فرض السلام، ولا الداخل وحده قادر على تجاوزه دون دعم.
إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس مؤتمرات بلا تمثيل، ولا مواقف سيادية بلا أفق، يحتاج الي جسر ثقة يُعاد بناؤه بينه وبين العالم. جسر يقوم على شراكة حقيقية، لا وصاية، وعلى احترام السيادة، لا تجاهل المعاناة.
في نهاية المطاف، سيبقى السؤال معلقًا فوق سماء السودان المثقلة بالدخان:
هل يتعلم الجميع أن السلام لا يُصنع في الغرف المغلقة، يصنع على طاولات يجلس حولها أصحاب القضية أنفسهم؟
وإلى أن يحدث ذلك… سيظل كل حديث عن الحل مجرد صدى بعيد، لا يسمعه من هم في قلب العاصفة.