
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: ذهبٌ يلمع وبيئةٌ تختنق .. صرخة من الصلوعاب ووادي خليل
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
ذهبٌ يلمع وبيئةٌ تختنق .. صرخة من الصلوعاب ووادي خليل
لم تكن احتجاجات مواطني الصلوعاب ووادي خليل بمحلية المتمة بولاية نهر النيل حدثاً عابراً، هي جرس إنذارٍ مدوٍ يكشف حجم القلق المتصاعد من تمدد التعدين الأهلي بلا ضوابط، في منطقة لم تعد تحتمل مزيداً من العبث بصحتها وبيئتها. فحين يخرج الناس إلى الشارع، فإنهم لا يفعلون ذلك ترفاً، بل دفاعاً عن حق أصيل: الحياة في بيئة آمنة ونظيفة.
ونجد ان التعدين الأهلي، الذي يُسوَّق له باعتباره باباً للرزق السريع، يخفي وراء بريقه وجهاً قاتماً من المخاطر. استخدام مواد شديدة السمية مثل الزئبق والسيانيد في استخلاص الذهب، بات يشكل تهديداً مباشراً للمياه والتربة والهواء. هذه المواد لا تختفي، بل تتسلل إلى باطن الأرض، تلوث الآبار، وتجد طريقها إلى أجساد المواطنين عبر مياه الشرب والغذاء.
والخطر هنا ليس نظرياً. فالآثار الصحية المرتبطة بهذه الأنشطة أصبحت معروفة: أمراض تنفسية مزمنة، تلف في الجهاز العصبي، ارتفاع معدلات السرطان، وتشوهات خلقية. إنها فاتورة يدفعها المواطن البسيط من صحته وحياة أطفاله، بينما تذهب عائدات الذهب إلى جيوب قلة لا ترى في الأرض سوى مورد قابل للاستنزاف.
أما البيئة، فهي الضحية الصامتة. حفر عشوائية، تدمير للغطاء النباتي، وانجراف للتربة يهدد مستقبل الزراعة والرعي في المنطقة. ومع كل موسم أمطار، تتضاعف الكارثة حين تختلط السموم بالمياه السطحية، لتنتشر على نطاق أوسع، في دورة تلوث يصعب كسرها.
ما يثير القلق أكثر هو غياب الرقابة الفاعلة، أو ضعفها في أفضل الأحوال. فكيف يُسمح بنشاط بهذه الخطورة دون تقييم بيئي صارم؟ وأين دور الجهات المختصة في حماية المواطنين؟ إن التعويل على “الاحتواء المؤقت” عبر تدخلات أهلية، رغم أهميته في تهدئة الأوضاع، لا يمكن أن يكون بديلاً عن حلول جذرية تضع حداً لهذا النزيف البيئي والصحي.
المواطنون في الصلوعاب ووادي خليل ، لم يرفضوا التنمية، لكنهم رفضوا أن تكون على حساب حياتهم. هم لا يقفون ضد الذهب، يقفون ضد الطريقة التي يُستخرج بها، وضد تجاهل حقوقهم في بيئة سليمة. ورسالتهم واضحة: إما تعدين مسؤول يخضع للمعايير البيئية والصحية، أو لا تعدين على الإطلاق.
اليوم، تقف السلطات أمام اختبار حقيقي. إما أن تنحاز لصوت الناس، وتتحرك بقرارات حاسمة توقف هذا العبث، وتضع إطاراً قانونياً صارماً للتعدين، أو تترك الأمور تنزلق نحو أزمة أكبر، قد لا تُحتوى هذه المرة بسهولة.
إنها لحظة فارقة… فإما أن ينتصر صوت الحياة، أو يستمر نزيف الأرض والإنسان تحت لافتة “التعدين الأهلي”.