اختيارات تصلح للقراءة والأنس والتوزيع

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

اختيارت تصلح للقراءة والأنس والتوزيع

 

1

كان الرحل محمد أحمد أبو رنات رئيس القضاء السوداني وأحد الفقهاء الكبارفي القانون، شديد الإعجاب بالشعبي الفقيه القاضي، وبميمون بن مهران التابعي الذي ولاه عمر بن عبدالعزيز القضاء، وكان يردد أبو رنات عليه الرحمة على سامعيه مقولات ميمون.
ومن لطائف القضاء والسياسية في السودان أن الراحل فاروق أبو عيسى كان يقول: أنه رغم ماركسيتي إلا أن مولانا أبو رنات أصر أن أحفظ عنه وصايا ميمون وأُسَمِعَها له عن ظهر قلب قبل المغادرة، وما بقي في قلبي حتي الشيخوخة قول ابن مهران أنه قال:
قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون احفظ عني أربعا:
1_ لا تصحبن السلطان، وإن أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر.
2_ ولا تخلون بامرأة، وإن أقرأتها القرآن.
3_ ولا تصل من قطع رحمه، فإنه لك أقطع.
4_ ولا تتكلم بكلام اليوم تعتذر منه غدا.

 

2
الحكاية الشهيرة عن إمامنا الشعبي عليه الرحمة هي حكايته مع أم جعفر أو أسماء بنت عيسى بنت جراد الكلابية، وكانت من أجمل النساء عندما أتته تختصم أحد الأشخاص وقيل أنه وزوجها إبان تولي الشعبي القضاء بالكوفة، وكان عليها كساء خز أسود جميل زادها حُسناً على حُسنها ولما رأى الشعبي قوة حجتها وضعف حجة خصمها قضى لها، وهنا غضب الرجل_ زوجها_ وكان شاعراً فأنشأ يقول قصيدته الشهيرة التي انتشرت كالبرق في العراق والشام والتي قيل أن الإمام الشعبي استقال من القضاء بسببها:

فُتِنَ الشَّعبِيُّ لَمّا
رَفَعَ الطَّرفَ إِلَيها
فَتَنته حين ولت
ثم هزت منكبيها
فَتَنَتهُ بِدَلالٍ
وَبخَطَّي حاجِبَيها
قالَ لِلجِلوازِ قَدمها
وأحضِر شاهِدَيها
فَقَضى جَوراً عَلينا
ثم َلَم يَقضِ عليها
بنت عيسى بن جراد
ظَلَمَ الخصم لديها
ما على الشعبي لم يوف
الذي كان عليها

وقيل أنه بعد هذه الأبيات وفد الشعبي على عبدالملك بن مروان، فلما رآه عبدالملك ابتسم له وقال يمازحه:
فتن الشعبي لمّا
رفع الطرف إليها
ثم قال : ما فعلت بقائل هذه القصيدة؟
فقال الشعبي: أوجعت ظهره ضرباً يا أمير المؤمنين لما هتك حرمتي في مجلس الحكومة وبما افترى به عليّ .
فقال: أحسنت.

ومن لطائف ما كان كان يُحكى عن الشعبي أنه كان ظريفاً وخفيف الروح على تقواه وفقهه وعدله، قيل أنه مر يوماً في أحد أزقة بغداد وكان هنالك عامل بناء اعتلى بيتا فلما رأه تغني بالأبيات وأخطأ فيها، فقال له الشعبي : ما هكذا تُقال، فقال الرجل كيف تقال يا قاض المسلمين؟
فقال له الشعبي ضاحكاً : قاتلك الله أتريد أن تقول للناس قد أخذت هذه الرواية عن الشعبي! .

3

سألني أحد الشباب يوماً ماذا أقرأ يا أستاذ فقلت له: إذا أردت أن تجد كتباً فيها فكرو لغة وعمق ولطف ودين وسهل ممتنع فعليك بالمجموعة الكاملة للشيخ محمد الغزالي، فإذا قرأتها فبعدها يسهل عليك أن تقرأ كل أنواع الفقه والفكر والفلسفات ولا تبالي، فالذين قرؤوا للغزالي أصابهم نور عقلي جعل من قراءاتهم اللاحقة دروس في التأمل الناقد والمعرفة الصحيحة. ومن أقواله قدس الله سره في كتابة (خُلقُ المسلم):
للصداقات الخاصة أثرعميق في توجيه النفس والعقل ، ولها نتائج مهمة فيما يصيب الجماعة كلها من تقدم أو تأخر ، ومن قلق أو اطمئنان.
وقد عُني الإسلام بهذه الصلات التي تربطك بأشخاص يؤثرون فيك ويتأثرون بك ويقتربون من حياتك اقتراباً خطيراً لأمد طويل.
إن هذه الصلات إن بدأت ونمت نبيلة خالصة تقبلها الله وباركها ، وإن كانت رخيصة مهينة ردّها في وجوه أصحابها:
{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}

 

4

ظل الفضيل بن عياض دائماً ما يفضح بكلماته خيانة النفس وادعاءها الحلال وهي غارقة في الحرام وادعاءها الإخلاص وهي غارقة في الرياء، فإن لم ينتبهه المسلم لنيته وفحصِها فإنه يقع في شر أقواله وأعماله ثم يلقى في النار،والعياذ بالله. ومن كلماته التي تُشكل فيها كل جملة درساً ما قاله حول شح النفس وغموضها:
يقول الفضيل عليه الرحمة والرضوان:
يا مسكين! أنت مسيء وترى أنك محسن، وأنت جاهل وترى أنك عالم، وتبخل وترى أنك كريم، وأحمق وترى أنك عاقل، أجلك قصير وأملك طويل.
قال الذهبي: إي والله! صدق
قال: وأنت ظالم وترى أنك مظلوم، وآكل للحرام وترى أنك متورع، وفاسق وتعتقد أنك عدل، وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله.

5
أمر أحد أئمة المساجد بالخرطوم شباب الحي أن يُلصقوا في كل يوم عبارات بخط مقروءة على لوحة على مدخل المسجد، وترك لهم الخيار في أن تكون آية أو حديث أو مقولة أو فكرة. وفي إحدى الايام والناس يدخلون لمسجد خِفافاً وثقالاً لصلاة الجمعة أكمل أحد الصبية هذه الوريقة التي كتبت بخط واضح مفادها:
أن بعض الحكماء أوصى ولده فقال له:
.((يا بني عليك بطلب العلم، وجمع المال. فإن الناس طائفتان: خاصة، وعامة. فالخاصة: تكرمك للعلم. والعامة: تكرمك للمال

حاشية:
ونعم الرجل صاحب العلم والمال بالحلال رغم أنف العبارة المتداولة (لا يجمع الله بين العلم والمال).

6

اِشترى رجل من البخلاء داراً وانتقل إليها، فوقف ببابه سائل فقال له: فتح الله عليك. ثم وقف ثان، فقال له مثل ذلك، ثم وقف ثالث، فقال له مثل ذلك، ثم التفت إلى ابنته، فقال لها: ما أكثر السّؤال في هذا المكان!
يا أبت ما دمت مستمسكاً لهم بهذه الكلمة فما تبال كثروا أم قلوا.: قالت

حاشية :
وعامة أهل السودان يقولون: (ود الفار حفار) .

7
فى يوم من الأيام وبينما كان الشاعر العباسى أبو نواس يتجول فى أحد أحياء الكوفة، وقبيل عيد الأضحى المبارك، رأى إعرابي ومعه أغنام يسوقها فابتدره أبو نواس قائلاً:
أيا صاحب الزَود اللواتى يسُوقهَا
بكم ذلك الكبش الذى قد تقدمَا
أجابه الإعرابى على الفور شعراً من نفس الوزن والقافية قال:
أبيعكَهُ إن كُنتَ تبغى شِرَائهُ
ولم تكُ مزَّاحاً بعشرين دِرهمَا
فقال له أبو نواس:
أجدت هداك الله رَجعَ زوادنا
فاحسن إلينا إن أردت تكرُمَا
فقال الإعرابى:
أحطُ من العشرين خمساً لأننى
أراك ظريفاً فاخرجنها مسلما
بيد أن أبو نواس إنصرف.
وكان هذه المبايعة الظريفة التى جرت مفاصلة بالشعر جعلت الناس يتجمهرن ، وعند إنصراف أبو نواس سأل الناس الإعرابي أتدرى مع من كنت تتكلم ؟
قال الإعرابى: لا
قالوا له: إنه أبو نواس.
فما كان من الرجل إلا وحمل الكبش وأدرك أبو نواس ، وأقسم على ابو نواس إن يأخذ منه الكبش هديةٌ خالصة وإن لم يأخذه منه ليتركن كل غنمهُ فى الطريق . فاخذه ابو نواس وسأل عن الرجل ؟ فقيل له إنه إعرابى من باهلة ، وباهلةُ هذه هى قبيلةٌ عربيةٌ مضرية من اصرحِ القبائل نسباً وأفصحها لغةً . فقال ابونواس
وباهلىٍ من الأعرابِ منتخبٍ
جادت يداهُ بواتِ القرنِ والذنبِ
فإن لم يكنْ باهلياً عند نسبتهِ
ففعله قرشيٌ كامل الحسبِ

حاشية:
وكان أستاذنا دكتور دشين عليه الرحمة يقول: معلقاً وهو يقرأ القصيدة لقد اشترى هذا الاعرابي عِزاً لا يطال لباهل بكبش واحد، ولو أنفق أهل باهل ألف بعير لما نالوها ولكنه الصدق، ولا يعرف قدر الشعراء إلا الشعراء.