
محجوب أبوالقاسم يكتب: مسيرات إثيوبيا وأبوظبي في سماء السودان
*محجوب أبوالقاسم*
*يكتب*
*مسيرات إثيوبيا وأبوظبي في سماء السودان*
في تطور بالغ الخطورة يعكس اتساع رقعة الاستهداف للأمن القومي السوداني أعلنت الحكومة تورط كل من إثيوبيا ودولة الإمارات في الهجوم بالطائرات المسيرة الذي استهدفت مواقع مختلفة الاثنين الماضي مؤكدة أن السودان يحتفظ بكامل حقه في الرد على هذا الاعتداء في الزمان والمكان اللذين تحددهما قيادته.
وكشفت الأجهزة المختصة عن حصولها على “أدلة وإثباتات قاطعة” تؤكد أن الطائرات المسيرة التي نفذت الهجوم انطلقت من مطار بحر دار في الأراضي الإثيوبية في مؤشر خطير يضع المنطقة أمام مشهد إقليمي بالغ التعقيد ويعيد طرح أسئلة السيادة وحدود الاشتباك في الفضاء السوداني.
وأعلن وزير الخارجية أن السودان مستعد للدخول في “مواجهة مفتوحة” دفاعا عن سيادته وأمنه القومي واصفا استهداف العاصمة بالمسيرات بأنه اعتداء مباشر وخطير لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه بردود فعل دبلوماسية تقليدية كما أشار إلى أن المعلومات المتوفرة لدى الدولة تكشف عن تحركات عسكرية مرتبطة بهذا التصعيد، ما يعزز فرضية وجود تنسيق أوسع في مسار الهجمات الأخيرة.
إن ما أعلنته الحكومة للرأى العام الداخلي والخارجي يمثل في جوهره تطورا مفصليا كان يفترض أن يطرح منذ الأيام الأولى للحرب بعد اتضاح حجم التدخلات الإقليمية التي ساندت المليشيا ووفرت لها غطاء سياسي ولوجستي لكن السودان وكعادته تعامل بدرجة عالية من ضبط النفس والدبلوماسية غير أن هذا النهج لم يلقى استجابة مماثلة من الأطراف التي اختارت مسار الفوضى وانتهاك السيادة.
اليوم يبدو أن الأمور تتجه نحو مرحلة مختلفة حيث لم تعد الاستهدافات مقتصرة على ميادين القتال بل امتدت إلى العمق الاستراتيجي للعاصمة في محاولة واضحة لإرباك المشهد الداخلي وضرب أي مسار للاستقرار بما في ذلك تعطيل عودة المواطنين إلى حياتهم الطبيعية بعد موجات النزوح واللجوء،
غير أن الرهان على كسر إرادة السودانيين يبدو رهانا خاسرا منذ بدايته فالشعب السوداني كما أثبتت التجارب انه واعي ومدرك لطبيعة ما يحاك ضده ولن تنال منه مسيرات أو دعم خارجي أو أدوات حرب غير تقليدية بل على العكس تتزايد قناعة الناس بالعودة إلى أرضهم وإعادة بناء ما دمرته الحرب مهما كانت التحديات.
إن روح العودة الطوعية التي بدأت تتنامى خلال الأشهر الماضية تمثل في حد ذاتها رسالة سياسية واجتماعية واضحة أن السودانيين رغم قسوة الظروف يختارون الوطن على المنفى والبناء على الانكسار والتمسك بالأرض رغم الجراح.
في المقابل يظل المطلوب داخليا لا يقل أهمية عن المواجهة الخارجية إذ ينبغي على الحكومة أن تواصل تحسين بيئة الحياة وتخفيف أعباء المعيشة وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات الأساسية باعتبار أن المعركة ليست عسكرية فقط بل معركة بقاء وصمود اجتماعي واقتصادي.
وعلى المؤسسة العسكرية أن تواصل عملياتها بحسم ضد ما تبقى من جيوب المليشيا في بعض المناطق وأن تضيق الخناق عليها ميدانيا بما يمنع أي محاولات لإعادة التموضع أو تنفيذ هجمات جديدة، فاستقرار الداخل هو الضمانة الحقيقية لأي نصر مستدام.
وفي النهاية يبقى اليقين أن السودان رغم كل ما يمر به يملك من الإرادة والقدرة ما يؤهله لتجاوز هذه المرحلة وأن النصر مهما تأخر قادم طالما أن الأرض تروى بعزيمة أبنائها لا برهانات خصومها.
ولنا عودة.