هذه الاستراحة للأذكياء فقط لتُغري بالقراءة
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
هذه الاستراحة للأذكياء فقط لتُغري بالقراءة
إعِداد وقوة وهيبة
حين تكمل الحكومة الخفية في بريطانيا وفرنسا وأمريكا وإسرائيل المؤامرة عبر الثأر التأريخي والاستلاب الثقافي والتبشير الكنسي بغطاء المصالح الغليظ تحدد المنفذين بالوكالة الرئيس وقائد الجيش ومدير المخابرات وحقائب هؤلاء بالأخضر تصل قبل المدرعات، ثم تصوّب البندقية الغادرة صوب القائد الوطني الرمز الذي يستعصى دائما على الخيانة والعمالة.
وقافلة هؤلاء الأطهار طويلة يتقدمهم دكتور مصدّق في إيران، والثائر الشهيد باتريس لومومبا في الكونغو، والعربي المهيدي في الجزائر، والملازم عبد الفضيل ألماظ شهيد ثورة 24 في السودان، وشهيد ثورة 19 الأول في مصر مصطفى ماهر أمين والشيخ الشهيد أحمد ياسين في فلسطين. فإن كان هذا هو المبتدأ في المعركة الطويلة ما بين الحق والباطل والخير والشر والاستقلال والاستعمار والانعتاق والقيود فإن خبر المبتدأ هو هذا الذي نراه الآن سيل من المظالم والدماء والقهر وظلم الإنسان لاخيه الإنسان عبر هذه البشاعة الموثقة بالكلمة والصورة والتداول البغيض عبر كل الشاشات.
ترى هل يحتاج الإنسان لدليل إذا أرسل بصره أو أرخى سمعه أو استمع لصوت ضميره وهو يتأمل الذي يحدث الآن في إيران ولبنان والضفة والقطاع وسوريا واليمن والعراق والسودان. ولأن ختام الحديث لا مسك فيه لان المسك هنا هو عطر البارود ورذاذ الرصاص وهدير الدم .
عزيزي الفريق العطا ولأنك لا تملك في هذا الزمان البائس لا ذهب المعز ولا سيفه فاجعل شعارك المبارك صوب النصر القادم الآية الشامخة
{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}
حاشية:
ولا رجاء لنا غير أن تتأمل في الآية هذه التوجيهات ( ما استطعتم) و(وآخرين من دونهم) و(ترهبون به عدو الله وعدوكم).
عبدالملك يا ملك
رفع إلى عبد الملك بن مروان أعرابي يقال له حمزة، سرق، وقامت عليه البينة، فهمّ عبد الملك بقطع يده، فكتب إليه حمزة من السجن يقول (شعر)
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها
بعفوك أن تلقى مقاما يشينها
فلا خير في الدنيا وكانت خبيثة
إذا ما شمال فارقتها يمينها
قال: فأبى عبد الملك إلا قطعه، فدخلت عليه أم حمزة وقالت: يا أمير المؤمنين بني وكاسبي وواحدي، فقال لها عبد الملك: بئس الكاسب لك، هذا حد من حدود الله تعالى، فقالت يا أمير المؤمنين: اجعله أحد ذنوبك التي تستغفر الله منها، فقال عبد الملك: ادفعوه إليها، وخلى سبيله.
حاشية:
كلفت ذات مرة التيم العامل في صفحة حوداث وقضايا في صحيفة ألوان أن يجروا لقاءات تحت عنوان (قصة تائب) يحكى فيها المُقلع عن تجربته في الجريمة حتى يعتبر بها الناس دون ذكر أسماء، وحدثت في ذلك مواقف بعضها طريف وبعضها حزين وبعضها مؤسف.
وأذكر يوماً أن زارني أحد القُراء وهو رجل في الأربعينيات من عمره فيه وسامة وأناقة وفي حديثه حضور، ذكر لي أنه قرأ عدة مقالات أو عدة حكايات في قصة تائب، وقد جئت معترفاً بأنني كنت لصاً أنيقاً ومحتالاً بارعاً، ولعل في حكايتي هذه ما يسقط الكثير من ذنوبي السالفات، وذكر لي مجموعة من سرقاته وتعدياته التي أكمل أغلبها بذكاء ومُكر وخبث.
قال لي دخلت بيوتاً بغرض السرقة فأرهبت ساكنة المنزل وزنيت، وحاصرني في إحدي المرات صاحب منزل دخلت لسرقته فضربته ضربة قاصمة وهربت ولا أعلم حتى الآن هل مات ام ظل على الحياة، وأمسك عن بقية الحكايات، ودخل في نوبة من البكاء الطويل وبعد أن استعاد نفَسه وأنفاسه قال: أن الله هو وحده هو القادر والمُقَدر للمواقف السانحات فقد كان الإمام يتحدث عن السرقة وخطرها على السارق الأسر والمجتمع، وبعض ما قاله أن الكثيرين من الذين امتهنوا هذه المهنة الحرام وقد أخطأهم القانون وأمهلهم الله باستدراجهم فهؤلاء للأسف لا يعلمون أنهم يسيرون بين الناس سالمين ومعافين وهم عند الله مبتوري الأيدي.
هذه الكلمات يا أستاذ زلزلتني وانهرت في المسجد بعد نهاية الخطبة ولم أفق حتى صب الناس على الماء، وفي كل ليلة أنام فيها يداهمني كابوس مزعج أرى فيه أن يدي قد بُترت، فأهب من نومي فزعاً وصارخاً وأنا أتحسس يدي، وكان هذا مدخلي لتوبة نصوح، وقد رزقني الله رزقاً طائلاً بعد هذه التوبة وصرت أحتال للذين سرقتهم كي أرد لهم أموالهم وهذه هديتي لكم حتى يدرك الناس بأن السرقة المستترة لا تقل بشاعة عن اليد المبتورة.
حين كان الخليفة مثقفاً والشاعر يجيد الاعتذار
مدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال له: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال: ما مدحتك، ولكن ذكّرتك نعم الله عليك لتجدد لها شكرا، فقال له هشام: هذا أحسن من المدح، ووصله وأكرمه.
الصادق ود آمنة يرثي آمنة
قيل أن والدة الشاعر الصادق الحلال الشهير (بالصادق ود آمنة) شديد الاحتفاء بأمه، فقد كانت عليها الرحمة من عفيفات وجميلات وصالحات النساء بالبطانة، وكان الناس هنالك يتحدثون عنها بسماحة الوجه وسماحة الطبع، وعندما ارتحلت رثاها ابنها الصادق ود الحلال برثاء ما بين المديح والمراثي والنسيب فكأنما كان يعبر عن الناس جميعاً وهي طويلة أفترعُ منها:
ﻳﺎ ﺍﻟﺪﻋﺠﺎ ﺍﻟﺠﻤﺎﻟﻚ ﺟﻞ ﻓﻴﻬﻮ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ
ﻟﻬﺠﻚ ﻟﻤﻌﻮ ﻋﺎﻣﻞ ﻓي ﺟﻨﺎﻧي ﻣﺼﺎﻧﻊ
ﺗﻮﺏ ﺍﻟﻌﻔﺔ.. ﻳﺎ ﺍﻟﻜﻤﻠﺘي ﺩﻭﻑ ﺍﻟﻤﺎﻧﻊ
ﺟﺎﺭ ﻭﻣﺘﻮﻃﻴﺎﻩ ﻭﻣﺘﻘﻨﻌﺎﺑﻮ ﻣﻘﺎﻧﻊ
تحالف السخاء والمديح
كان سبب ارتفاع عرابة الأوسي وسؤدده أنه قدم من سفر، فجمعه والشماخ بن ضرار المزني الطريق، فتحادثا، فقال له عرابة: ما الذي أقدمك المدينة يا شماخ؟
قال: قدمتها لأمتارمنها (أتزود منها ) ، فملأ له عرابة رواحله بُرّا وتمرا وأتحفه بتحف غير ذلك، فأنشد يقول:
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو
إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد
تلقاها عرابة باليمين
حاشية:
كان أستاذنا عبدالله الشيخ البشير اللغوي والفقيه يعلق قائلاً : صحيح أنهم كانوا ينفقون لسخاء مجبول فيهم، ولكن فوق ذلك أنهم كانوا ينفقون لانهم يعرفون الشعر، والمعرفة بالإبداع بعض السخاء.
المترفعون عن الدنايا
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} وبعض هذا السلام هذه المقولة لهذا الرجل الحصيف الحكيم الذي اقتص من شاتمه بالحكمة والعفو والترفع والنصيحة.
شتم رجل رجلا فقال له: يا هذا لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعا، فإني أبيت مشاتمة الرجال صغيرا، فلن أجيئها كبيرا، وإني لا أكافىء من عصى الله فيّ بأكثر من أن أطيع الله فيه.
الشعر والحكمة ما بين الشافعي وأبو تمام
ولأن مسيرة الإنسان فيها الحياة والممات والفردانية والأسرة والجمع فكل هذا يحتاج لأخ وصنو روح وصديق ، ذلك الذي يحفظك في حياتك برفقته وعند مماتك في أسرتك، فيصبح بيتك بيته وعيالك عياله ويدعو لكل في كل دبر صلاة ويذكرك بالخير فالملتقى بخِلان الصلاح في الآخرة لا يَتأتى إلا بهذا، وقد أجَمل المعنى الفقيه الإمام الشافعي شعراً قدس الله سره.
أُحِبُّ مِنَ الإِخْوَانِ كُلَّ مُوَاتِي
وَكُلَّ غَضِيضِ الطَّرْفِ عَنْ عَثَرَاتِي
يُوَافِقُنِي فِي كُلِّ أَمْرٍ أُرِيدُهُ
وَيَحْفَظُنِي حَيًّا وَبَعْدَ مَمَاتِي
فَمَنْ لِي بِهَذَا لَيْتَ أَنِّي أَصَبْتُهُ
فَقَاسَمْتُهُ مَا لِي مِنَ الحَسَنَاتِ
تَصَفَّحْتُ إِخْوَانِي فَكَانَ أَقَلَّهُمْ
عَلَى كَثْرَةِ الإِخْوَانِ أَهْلُ ثِقَاتِ
ومن حديث النُقاد أن الشافعي فقيه وشاعر، بيد أن أبو تمام شاعر وحكيم، فقد أجاد حين قال في باب الصداقة والأصدقاء والإخوة والإخوان حين قال:
مَنْ لي بإنسانٍ إذَا أَغْضبتُهُ
وجَهلْتُ كَانَ الحِلْمُ رَدَّ جَوابِهِ
وإذَا طَرْبتُ إلَى المُدامِ شَربْتُ مِنْ
أخْلاقِه وسكِرْتُ من آدابِهِ
وَتَراهُ يُصْغِي للحِديثِ بِقَلْبِهِ
وبِسَمْعِهِ ولَعَلَّهُ أَدْرى به