
الحاج الشكري يكتب: حواري مع السفاح حميدتي في أبوظبى
نقطة وسطر جديد
الحاج الشكري
حواري مع السفاح حميدتي في أبوظبى
دعاني صديقي، وهو رجل أعمال كبير ومعروف، أن أذهب معه إلى الإمارات في رحلة تجارية وترفيهية تستغرق أسبوعين، وأن يقوم هو بكل تكاليف الرحلة ذهابًا وإيابًا، وأن ننزل في فندق خمسة نجوم وفي أفضل المواقع السياحية في المدينة. قدم لي هذا العرض المغري بعد أن رفضت الذهاب معه إلى الإمارات بحجة أنني سأكون محكومًا عليَّ بالإعدام هناك، لأن ليس هناك من شتيمة في قاموس الشتائم إلا وألصقتها بمحمد بن زايد، وقلت له في آخر مقال كتبته وصفته فيه بالغدار الخائن واليهودي الصهيوني، ولهذا إن ذهبت إلى هناك، أقلها سيُحكم عليَّ بالسجن المؤبد. وأنا في الحقيقة، لولا أنني أثق فيك يا صديقي العزيز، لقلت إنك تنصب لي كمينًا. تناول المصحف الشريف وحلف لي عليه بأن لا يصيبني شيء في هذه الرحلة، وأضاف لمزيد من تطميني: أنا لدي علاقات وصفقات تجارية مع الشيخ شخبوط بن زايد نفسه، وكلها كما تعلم بعيد من السياسة، ولدي معه شراكة في مصنع سراميك ضخم توقف بسبب الحرب. ولأنني أعلم تدينه ونفوذه المالي، ولقوة علاقتي الخاصة به، وافقت على الذهاب معه إلى الإمارات بعد أن اتفقنا أن تكون الرحلة سرية للغاية حتى لا يحدث لي مكروه هناك. ولا أخفي عليكم أنني كنت متوجسًا خيفة طوال فترة الرحلة من أن يتم القبض عليَّ، وفي الطائرة وأنا بين طيات السحاب كم ندمت ندمًا سفيت فيه التراب بأنني ما كان لي أن أوافق على هذه الرحلة رغم ثقتي الكبيرة في صديقي هذا، وفكرت في أسرتي الصغيرة ماذا سيكون مصيرها إن حدث لي مكروه، وشريط من المواقف والحكايات مر أمام عيوني، هل ستكمل باقي حياتها في أم درمان أم ستعود إلى موطن الطفولة والصبا الفاو ورهد الخير حيث العشيرة والأهل. وأنا غارق في التفكير وموجة الخوف هذه، إلى أن نبهتنا كابينة الطائرة بأننا اقتربنا من الهبوط في مطار أبوظبي الدولي، وبفضل الله مررنا أنا وصديقي بسلاسة دون أن يعترضنا أحد، بدأ الخوف في جوفي يقل تدريجيًا. استقبلنا رجل أعمال إماراتي في المطار، وهو صديق لصديقي، ومن هناك أخذنا إلى الفندق مباشرة، وهو في الحقيقة فندق فخيم وغاية من الجمال، ما من خدمة ترفيهية أو ملذة من ملذات الحياة الدنيا إلا وتوجد فيه. قال لي صديقي: في هذا اليوم سنخلد إلى الراحة، وغدًا سنتجول في أفضل الأماكن السياحية في المدينة. قلت له: الأمر متروك لك. ذهبنا في اليوم التالي لنتجول في المدينة، وأخذني صديقي إلى مطعم أبوظبي العالمي، فإذا بصديقي يربت على كتفي منبهًا: داك السفاح حميدتي وجماعته. نظرت إلى ما أشار لي نحوه، فإذا بأنني أرى السفاح حميدتي ذاته بشحمه ولحمه، ومعه شقيقه المتمرد القوني، ونصر الدين عبد الباري، أو نصر الدين مريسة، ورابعهم شخصية إماراتية. اقتربت منهم ونظرت إليه بدهشة عجيبة جدًا، أشار إليَّ حميدتي بيده أن تعال إلينا. استأذنت من صديقي وتوجهت إليه، اعترضني شخص ضخم العضلات كان يحرسهم من على البعد، وجهه حميدتي بأن يسمح لي. سألني حميدتي وهو يمد لي يده للمصافحة: أنا شايفك منو، أنت؟ قلت له: أنا الحاج الشكري، كاتب صحفي وباحث أكاديمي. قال لي: أنا بقرا كتاباتك باستمرار، وأنت دائمًا ظالم ومتحامل ومنحاز للجيش. قلت له: أقول لك بكل شجاعة، مطالعتك لمقالاتي لا تشرفني أبدًا، واتهامك لي بأنني منحاز للجيش، فهذه قمة الشرف لي. هنا تدخل نصر الدين عبد الباري رافعًا إصبعه في وجهي: أنت واحد قليل أدب، كيف تتحدث مع السيد القائد بهذه الطريقة؟ قلت له: سأحتقر نفسي إن رددت على شخص تابع ذليل وعميل مثلك. قال له حميدتي: خليه ياخد راحته، فأنا من دعوته إلى طاولتنا هذه. قال لي حميدتي: تحب تأكل شنو؟ قلت له بكل صراحة: نفسي لا تطيق لقمة واحدة مدفوعة من جيبك، لأنها ستكون ملوثة بدم الشعب السوداني، ومسروقة من عرق جبينه ولبن أطفاله وفقرائه ومرضاه. صمت ثم نظر لي بدهشة وحيرة، ربما لا يكون هناك صحفي واجهه بهذه الطريقة. حاولت أن أكسر جدار الصمت. قلت له: أشكرك على إسكاتك لنصر الدين وعلى سعة صدرك، ولكن لدي مجموعة أسئلة، ولكن أخشى أن تفسد عليك متعة دنياك في هذا المكان الجميل. قال لي: تكلم براحتك. طيب، لماذا سمحت لنفسك أن تدمر وتقتل الشعب السوداني بهذه الطريقة الشيطانية؟ قال لي: الكيزان يفعلون ذلك ويلصقون التهمة ظلمًا وبهتانًا بقوات الدعم السريع. طيب، إذا كان حديثك هذا صحيحًا، لماذا يفر الناس من كل المناطق التي تدخلها قوات الدعم السريع ويتجهون بسرعة البرق نحو مناطق سيطرة الجيش؟ هنا حميدتي تطلع إليَّ بانتباه وغضب، قائلًا باختصار: يفعلون ذلك لأن الشعب معظمه كيزان. ثم سكت برهة وواصل حديثه: نحن في الحقيقة لدينا تجاوزات، لكن هذا هو ثمن الديمقراطية. قلت له: وما هي الديمقراطية التي تقصدونها؟ قال لي: بعد أن نقضي على الكيزان سترون كيف نطبق الديمقراطية، وأنتم ستكونون شهودًا على أفعالنا وممارساتنا. قلت له: لكن ما تمارسونه الآن لا علاقة له بالديمقراطية أبدًا. قال لي: كلامك غير صحيح، ونحن عندما نستلم البلد سنطور من تجربتنا وسوف نستفيد من التجربة الإماراتية في الممارسة الديمقراطية. قلت له: لكن الإمارات ليس لديها أدنى تجربة ديمقراطية، وهو حكم ديكتاتوري موروث أبًا عن جد. هنا تلعثم حميدتي وقطب وجهه ونظر في وجهي بكل غضب. قلت له: يا حميدتي، اسمع حديثي هذا، ما يردده المحيطون بك غير حقيقي، وهم يجملون لك القبح والقتل من أجل مصالحهم، لكن صدقني، أنت إلى الإعدام ومليشياتك إلى زوال. صمت حميدتي وغضب من حديثي غير المتوقع، وقال لي بغضب: ماذا تقصد بمليشياتي، وماذا تقصد بالزوال؟ قلت له: قواتك مجموعة عصابة فقط لا غير، والتاريخ يحدثنا بأن العصابة مهما كانت قوتها وإمكاناتها، على مر التاريخ، ينتهي بها الأمر إلى السجن والعقوبة والإعدام. وهذا مصيرك ومصير من يتبعك، وإذا لم تستسلم فعليك أن تنتظر، وإنا معك من المنتظرين، وإن موعدنا الصبح، أليس الصبح بقريب. ثم قلت له: صدرت منك ومن مليشياتك جرائم لا يغسلها إلا الدم والإعدام؟ قال لي: لقد أصدرت تعليمات صارمة لمحاسبة كل من يتجاوز ويعتدي، وبدأنا في تطبيق (القانون). استفزني رده الأخير، وصرخت في وجهه: على من تكذب يا حميدتي، يا كبير المجرمين في الأرض؟ متى شاهدنا مجرمًا يحاسب مجرمًا؟ ومع صراخي في وجهه، نهضت من النوم مفزوعًا، وسمعت صوت الأذان الأول، وسمعت زوجتي تناديني: الحاج، قول بسم الله، مالك بتكورك ومالو حميدتي؟ قلت لها: بسم الله، الله لا كسبه، حميدتي جننا صاحيين ونايمين، لعنة الله عليه.