د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: انشقاقات الدعم السريع .. هل بدأت ساعة السقوط أم معركة الاختراق الأخير؟

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

انشقاقات الدعم السريع .. هل بدأت ساعة السقوط أم معركة الاختراق الأخير؟

لم تعد الانشقاقات التي تضرب قوات الدعم السريع مجرد أخبار عابرة يمكن المرور عليها بهدوء، لكنها تحولت إلى مؤشر خطير يكشف حجم التحولات الجارية داخل واحدة من أكثر القوى تأثيرًا في المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب.
وإعلان شخصيات مثل النور قبة والسافنا الانضمام إلى “العيش السوداني” فتح الباب واسعًا أمام سؤال سياسي وأمني بالغ الخطورة:
هل بدأ ظهر الدعم السريع في الانكسار فعليًا؟ أم أن الخرطوم مقبلة على أخطر مراحل الحرب عبر الاختراق من الداخل؟
والحروب الطويلة لا تُهزم فيها الجيوش بالرصاص، وإنما تتآكل من الداخل حين تبدأ الثقة في التراجع، وحين يشعر المقاتلون أن المعركة لم تعد تملك أفقًا واضحًا. وهذا بالضبط ما يبدو أنه يحدث الآن. فكلما طال أمد الحرب، زادت الأسئلة داخل المعسكرات، وبدأت الحسابات الشخصية والسياسية تطغى على شعارات البداية.
التحولات الأخيرة لا يمكن فصلها عن المتغيرات الميدانية. فالدعم السريع الذي دخل الحرب بخطاب القوة والسيطرة السريعة، يجد نفسه اليوم أمام واقع أكثر تعقيدًا؛ استنزاف عسكري، وضغط شعبي متصاعد، وعزلة سياسية متزايدة، وتراجع في الحاضنة الاجتماعية التي كانت توفر له مساحة حركة واسعة في بعض المناطق.
والأخطر من الخسارة العسكرية، هو فقدان الثقة داخل الصفوف. لأن أي قوة مسلحة حين تبدأ في استقبال موجات الانشقاق، فإن ذلك يعني أن الشك بدأ يتسلل إلى بنيتها الداخلية. والشك في الحروب أخطر من الرصاص، لأنه يضرب الروح المعنوية ويحول الولاء إلى حالة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.
ولكن في المقابل، فإن التعامل مع هذه الانشقاقات بكثير من الاحتفال قد يكون خطأً سياسيًا وأمنيًا كبيرًا. فالحروب لا تسير دائمًا في خط مستقيم، وبعض الانشقاقات قد تكون حقيقية ناتجة عن انهيار داخلي، بينما قد يكون بعضها الآخر جزءًا من إعادة التموضع أو محاولة لاختراق مراكز جديدة داخل الخرطوم ومؤسسات الدولة والمجتمع.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل انشق هؤلاء؟
لكن : لماذا انشقوا الآن تحديدًا؟
والتوقيت هنا بالغ الأهمية. فالخرطوم تعيش مرحلة حساسة، والتحركات العسكرية والسياسية تتسارع بصورة غير مسبوقة، وهناك إدراك متزايد بأن معركة العاصمة لن تُحسم بالقوة المجردة ، وإنما بمعركة النفوذ والمعلومات والتحالفات وكسب الشارع.
كما أن مفهوم “العيش السوداني” الذي بدأ يظهر بقوة في الخطاب الأخير ليس مجرد شعار عاطفي، هو محاولة لإعادة إنتاج خطاب وطني جديد يقوم على فكرة استعادة الدولة، وإنهاء الفوضى، والبحث عن الاستقرار بعد شهور طويلة من الرعب والانهيار.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية للدعم السريع. فالقوة المسلحة يمكنها الصمود عسكريًا لفترة، لكنها تصبح أكثر هشاشة حين تخسر المعركة الأخلاقية والاجتماعية. وحين يبدأ المواطن العادي في البحث عن أي مشروع يعيده إلى الحياة الطبيعية، فإن كفة الحرب تبدأ في الميل تدريجيًا نحو الطرف الذي يطرح فكرة الدولة لا فكرة الفوضى.
لكن المشهد لا يزال معقدًا وخطيرًا. لأن الانشقاقات المتزايدة قد تدفع إلى ردود فعل أكثر عنفًا، وقد تفتح الباب أمام صراعات داخلية بين المجموعات المتحالفة نفسها، وهو ما يجعل الخرطوم أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تحمل مفاجآت كبيرة خلال الفترة القادمة.
السودان اليوم لا يعيش حرب سلاح، لكنه يعيش حرب بقاء سياسي ونفسي واجتماعي. وكل انشقاق جديد ليس مجرد انتقال فرد من معسكر إلى آخر، هو رسالة واضحة تقول إن الحرب بدأت تلتهم أصحابها من الداخل.
وقد يكون ما يحدث الآن بداية الانهيار الكبير، أو بداية أخطر فصول الحرب.