
الحاج الشكري يكتب: رحيل الشيخ إبراهيم الركين ومجلس السيادة
نقطة وسطر جديد
الحاج الشكري
رحيل الشيخ إبراهيم الركين ومجلس السيادة
رحل والدنا العالم الكبير والشيخ الجليل الشيخ إبراهيم الشيخ محمد أحمد الركين عن هذه الدنيا الفانية، ورحيل الشيخ إبراهيم بالنسبة لي ولكل أهل التصوف والإسلام محزن وأليم، وأسأل الله أن يثبتنا بالصبر والقول والعمل الصالح. ٠٠ لقد كانت بيني وبين والدنا الشيخ إبراهيم خليفة الشيخ محمد أحمد الركين محبة وألفة، وما من أحد من أفراد أسرتي الكبيرة ذهب إلى لقائه في مسيده العامر بود الركين شرق سنار إلا وسأله عني، ولم يكن سؤالاً عرضياً عفوياً، إنما يسأله بكل التفاصيل: وين الحاج الشكري؟ وعامل شنو؟ وأخباره شنو؟ وأسرته كيف؟ والعمل معاهو كيف؟ طولنا منو؟ وكثير من الأسئلة والاهتمام. وعندما توالت الأسئلة التي تنم عن محبة خاصة، قال لي أحد أبناء عمومتي: أنا حاسي إنو أبونا الشيخ سوف ينصبك شيخاً في هذه الطريقة يوماً ما، وأنا كنت أكتفي بالابتسامة لهذا الاهتمام، وكنت كلما ذهبت إلى مسيده العامر بود الركين شرق سنار أو مسيده العامر في الخرطوم الكلاكلة أشعر أن لهذه المحبة والألفة جذوراً وسيقاناً وأوراقاً وثماراً، وكنت كلما أخرج منه أخرج بنفحة إيمانية تعينني على مواصلة مشوار الحياة بكل تحدياته ومنعطفاته وانتصاراته وانكساراته. أين نجد بعد هذا الفقد رجلاً يعمق فينا الإيمان حتى نتمكن أن نصل إلى أرض المحشر بقلب سليم؟.
في أي مجلس جالست فيه الراحل المقيم أبونا شيخ إبراهيم يحدثنا حديث العلماء ويفتي في المذاهب الأربعة، حتى أصبحت أشك أن ليس هناك من هو أعلم منه بأمور الدين في مشرق الأرض ومغاربها. كيف لا أشك وهو الوسطي في نهجه، وحصيف الرأي، وطيب العبارة، يتسم بالعقلانية والعاطفة الجياشة التي جذبت له كثيراً من الناس، الأمر الذي كان حصيلته انتشار الطريقة القرآنية السنية المحمدية الركينية في كل ولايات السودان، وامتد الأثر والانتشار الكبير في الدول العربية والأفريقية والأوروبية، والطريقة الركينية توجد حتى في أمريكا.
كان الشيخ إبراهيم عالماً بحق وحقيقة، ومصلحاً اجتماعياً عزز من فكرة التسامح وتقبل الآخر، فكم احتوى مشاكل لولاه لحرقت قبائل كاملة وأزالَتها من الوجود. ٠٠
نعم، كان أبونا الشيخ إبراهيم مصلحاً اجتماعياً قبل أن يكون رجل دين، فكان يدعو باستمرار لتشابك الأيدي وتراص الصفوف ونبذ الفرقة والعنصرية والجهوية، حقاً إنه صفي القلب والسريرة، والعلم المفيد الذي يحصن صاحبه من الانزلاق، حتى لاقى ربه وهو سليم القلب من الدنيا وفتنها.
احتساب مجلس السيادة جاء متأخرا لشخص مثل الشيخ إبراهيم الركين، وهو بلا شك مجلس يحتاج إلى مراجعة كوادره، لأنها لا تعرف رموز البلاد ومدى تأثيرها. ودعك من هذا النعي، لا بد أن يذهب الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة لأداء العزاء اليوم قبل الغد، ليستقبله مئات الآلاف من المواطنين الكرام من الذين هزهم فقد الكبير، وليواسيهم ويخفف عنهم هذا الفقد الكبير والجرح العميق، فهم أهله ورعيته.
لو تحدثنا عن الفقيد لأيام وسطرنا فيه كتباً لما عددنا صفاته ونقائبه، ولكن لضيق هذه الزاوية نقول: عاش والدنا الشيخ إبراهيم عمراً ناهز المئة عام، أدى واجبه في الحياة، وقدم رسالة دينية سامية بحب ومحبة للجميع، وهي أسمى الرسالات، بلا شك أن تقدم الدين والعجين معاً، وبكل حب وبمنتهى التواضع والبساطة. رحم الله والدنا الشيخ إبراهيم الشيخ محمد أحمد الركين بقدر ما قدم لأمة الإسلام، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
وفي الختام لا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.