
إبراهيم شقلاوي يكتب: البرهان .. دبلوماسية اللحظة الحاسمة
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
البرهان… دبلوماسية اللحظة الحاسمة
في التجربة السياسية السودانية كثيرًا ما جاءت التحولات الكبرى في لحظات بدأ فيها الرأي العام منشغلًا عن تفاصيل السياسة، خلال الأعياد، عطلات نهاية الأسبوع، أو المواسم الدينية التي ينصرف فيها المزاج الشعبي إلى الشأن الاجتماعي أكثر من انشغاله بحركة السلطة وتقلباتها.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن التحركات الأخيرة لرئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، مع دخول أيام العشر من ذي الحجة، وهي فترة تقليديًا تقل فيها الضوضاء السياسية، لكن كثيرًا ما ترتفع فيها حرارة القرارات الكبرى خلف الأبواب المغلقة.
من هذه الزاوية، تشير القراءات إلى أن الجولة الخليجية، التي شملت المملكة العربية السعودية، سلطنة عُمان، ثم مملكة البحرين أبعد بكثير من كونها تحركًا عاديا. نحن أمام جولة تحمل أبعاد ومعطيات متعلقة بترتيبات المرحلة القادمة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات الحرب والسلام، والتسوية، وإعادة تعريف التحالفات.
في المنامة التقى الرئيس البرهان بالملك حمد بن عيسى آل خليفة، وبينما تحدثت البيانات الرسمية عن التعاون والدعم المتبادل، حملت الرسائل السياسية ما هو أبعد من ذلك، إذ يعكس إعلان الخرطوم دعم أمن الخليج انتقال السودان من موقع الباحث عن الإسناد إلى موقع الساعي لإعادة تعريفه داخل معادلة الأمن الإقليمي. وتأتي هذه التحركات في لحظة تتجه فيها مساعي إنهاء الحرب، وإعادة ترتيب التحالفات، وتجفيف مصادر التمويل ، وهو ما يفسر لجوء البرهان إلى الدبلوماسية الرئاسية، إدراكًا بأن جانبًا من حل الأزمة السودانية يُصاغ في بعض العواصم الخليجية.
اللافت أن زيارة المنامة جاءت بعد محطتين بالغتي الأهمية: الرياض ثم مسقط. وإذا كانت المملكة العربية السعودية قد انتقلت تدريجيًا من موقع “الوسيط” إلى موقع “مهندس التسوية”، فإن سلطنة عُمان تبدو اليوم أقرب إلى منصة القنوات الخلفية، بحكم علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. في هذا السياق، تبدو جولة البرهان جزءًا من هندسة سياسية جديدة، عنوانها: ترتيب ما بعد الحرب قبل أن تنتهي الحرب نفسها.
في موازاة ذلك، لم يعد السودان ملفًا داخليًا، بل تحول إلى جزء من معادلات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر. لكن المفارقة أن اتساع الدور الخارجي لم يكن نتاج تعقيدات الحرب وحدها، بل أيضًا نتيجة مباشرة لعجز القوى السياسية، عن إنتاج رؤية وطنية متماسكة أو بناء حد أدنى من التوافق حول إدارة ما بعد الحرب. هذا الفراغ السياسي، منح المؤسسة العسكرية مساحة أوسع للتحرك دبلوماسيًا، وفتح المجال أمام العواصم الإقليمية لتصبح شريكًا مؤثرًا في صياغة مستقبل الأزمة السودانية.
لكن القراءة الأعمق لتحركات البرهان لا تكتمل دون التوقف عند أكثر ملفات الجولة حساسية وتعقيدًا: العلاقة مع دولة الإمارات . فهذا الملف لم يعد مجرد خلاف ثنائي، بل بات أحد أكثر خطوط الأزمة السودانية تعقيدا ضمن تداخلات إقليمية انعكست مباشرة على مسار الحرب وتوازناتها.
وفي هذا الإطار، فإن ما يُتداول عن اتصالات غير مباشرة بين الخرطوم وأبوظبي، عبر قنوات امتدت بين واشنطن والمنامة ومسقط، و رواندا أن صحت يضع تحركات البرهان في سياق يتجاوز طلب الدعم السياسي إلى اختبار إمكانية إعادة فتح مسارات ظلت مغلقة رغم أهميتها ، بما يعكس تحولًا في بنية إدارة الحرب، من المواجهة إلى تفكيك بنية تمويلها.
غير أن أي محاولة لإعادة فتح قناة مع الإمارات، تصطدم بعقبة داخلية هي الثقة، إذ لم يعد الخلاف في الوعي السياسي السوداني مجرد تباين دبلوماسي، بل ارتبط بموقف معقّد حول طبيعة الدعم الخارجي ومسؤولية إطالة أمد الحرب وكلفتها الإنسانية. لذلك فإن أي اختراق محتمل في هذا المسار لن يكون قرارًا سياسيًا فحسب، بل اختبارًا دقيقًا لقدرة القيادة على موازنة مقتضيات الأمن القومي مع حساسية الرأي العام الداخلي.
وإذا كانت التحركات الخارجية تعكس سعيًا لإعادة ترتيب البيئة السياسية والإقليمية المحيطة بالحرب، فإن ما يجري في الميدان لا يقل أهمية، إذ تكشف الانشقاقات داخل مليشيا الدعم السريع عن تحولات، تشير إلى اختراق استخباري مؤثر أضعف تماسكها وأعاد تشكيل حساباتها الداخلية.
إذا قرنت هذه التطورات مع الحراك الإقليمي الذي يقوده البرهان، فهذا ربما يعزز احتمالات ترتيبات سياسية جديدة. ورغم تصاعد الحديث عن إعادة تشكيل الحكومة وفق هذه الترتيبات، فإن ذلك يبدو أقرب إلى استحقاق مؤجل، يرتبط باكتمال بناء التسوية وصولا لليوم التالي من الحرب.
بحسب #وجه_الحقيقة، توحي القراءة الحالية بأن تحركات عبد الفتاح البرهان تتجاوز حدود النشاط الدبلوماسي إلى إعادة تشكيل هادئة لمعادلة الأمن والسلام في السودان. فهي تعكس انتقالًا من منطق الحسم العسكري إلى إدراك تعقيد المشهد، حيث لم تعد القوة وحدها كافية لإنهاء الحرب، بل بات المطلوب تفكيك شبكات الدعم المحيطة بها وإعادة ترتيب التوازنات بأدوات سياسية أكثر ذكاء. ومع ما يلوح من تآكل في بنية المليشيا، تبدو الأزمة مقبلة على مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف أدوات الدولة بين الميدان والسياسة. وهكذا فإن “دبلوماسية اللحظة الحاسمة” تكشف بداية الطريق.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 17 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com