محمد علي التوم من الله يكتب: المخفي والمعلوم في إنجازات والي الخرطوم (٢/٢)

وفي العقل متسع

محمد علي التوم من الله

المخفي والمعلوم في إنجازات والي الخرطوم (٢/٢)

عاصمة عمرها في الزمان (202) عامًا في العصر الحديث الذي أرخ له المؤرخون. ترى كيف نقيم أداء من تولى ثقل شؤونها، وقد تعرضت منذ ميلادها كعاصمة للسودان في عام (1824)م وحتى يومنا هذا للكثير مما يجعل الولدان شيبًا.
بدأت ميلادها كعاصمة على يد المحتل التركي، كما يقول المؤرخ دكتور محمد إبراهيم أبو سليم في كتابه تاريخ الخرطوم. أما بعد أن نالت البلاد استقلالها عام (1956)م، لم تستقر أنظمة الحكم فيها، والتي أثرت حقيقة على أن لا تجد العاصمة ما يليق بها عاصمة لبلاد شاسعة كانت مساحتها مليون ميل مربع قبل انفصال الجنوب، ومن بعده لا زالت مساحتها شاسعة بتنوعها الإقليمي وتعددها القبلي السكاني وثرائها الطبيعي من ثروات الأرض والبحر والنيل، الثروة الحيوانية والسمكية والغابية والنباتية والمعدنية والمناخية إلى آخره.
مما جعلها توصف بـ(سلة غذاء العالم)، بل أيضًا من ثراء كوكبة مثقفيها وعلمائها وخبرائها الذين ساهموا في نهضة كثير من الدول العربية والإفريقية وجامعاتها وجيشها وقواتها وإسهاماتها المشرفة على الأصعدة الإقليمية والدولية.
كل ذلك كان ينبغي أن يرشح الخرطوم لتكون في مستوى هذا الثراء المتميز.
ولكن كما أسلفنا، حظها حظ البلاد التي منذ أن وُلدت لم يستقر لها حال، فقد تصارعت أنظمة الحكم بين المدني والعسكري والشمولي والانقلابات، مما ساهم في هذا التردي.
وقد تعرضت لابتلاءات إثر هجمات مسلحة أخرى بعد الاستقلال، في هجمة المرتزقة من ليبيا وقوات خليل إبراهيم بعدها.
والأخطر من كل ذلك ما أصابها من نزوح من دول الجوار والداخل عشوائيًا من المناطق التي طالها عدم الاستقرار والحروب والجفاف، فأصبحت العاصمة يُستجار بها من تمددوا في السكن العشوائي.
وحتى في مجال تخطيطها الإسكاني بتمددها أفقيًا وتلبية احتياجات السكن لكل من جاءها وافدًا أو من يستحق أن يقيم فيها بحكم مواطنته، وبذلك تفاقمت كثير من أزماتها في المواصلات والأمن والغذاء والتعليم والصحة والكهرباء… إلخ.
والأدهى من كل ذلك هذه الحرب اللعينة التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد من دمار وخراب ومآسٍ عصية على الوصف، واستهداف ممنهج من أجندة أجنبية باطشة لطمس الهوية، شاركت فيها دول عظمى غنية ودول جوار بأحدث وأذكى وأخطر أسلحة الدمار والتهجير.
إن ما حدث في الخرطوم لا يسعنا في هذا المجال وصفه في العجالة التي نود فيها أن نقيم من تحمل مسؤولية العاصمة القومية في تلك الحقبة من تاريخ السودان، الشيء الذي جعل من الأستاذ أحمد عثمان حمزة واليًا تاريخيًا استطاع بحكمة ووعي وجدارة أن يجتاز بعاصمة البلاد هذه المحنة التي نزح الملايين من سكانها للخارج وتشتت الكثيرون منهم بالداخل.
إن مجرد أن يتولى الوالي تلك الحقبة بصبر وثبات وحكمة وأداء متميز، ويظل في منصبه لتشهد اليوم العاصمة تحريرًا من ربقة ذلك الغزو اللعين، وتشهد عودة طوعية للملايين من أبنائها في الأحياء والأسواق والمدارس، بل وأيضًا تشهد بداية تحسن في مجال الخدمات الضرورية من صحة وتعليم وأمن وكهرباء، جارٍ العمل على أن تتكامل تدريجيًا في ظروف فقدت فيها العاصمة معظم مواردها، هذا في حد ذاته إنجاز.
الشهادة التي يستحقها الأستاذ أحمد عثمان حمزة والي الخرطوم لا تحتاج أن يمنحها له البرهان والحكومة، ولا مراقبون يصححون الإنجازات بعدالة أو بغيرها.
وقياسًا لما كانت عليه العاصمة قبل أن يعود إليها الملايين بفعل بسالة القوات المسلحة وكل الذين ساندوها من قوات أخرى، بذلت الأرواح رخيصة، والشعب الذي تلاحم معها، والمواطنون الذين وقفوا مع أحمد عثمان حمزة يضمدون الجراح ويعينون الملهوف ويبذلون التكايا ويطعمون الجوعى ويفزعون المستغيث، لهو إنجاز تاريخي.
انتهج الأستاذ أحمد عثمان حمزة نهجًا ذكيًا في تلك الحقبة الخطيرة، فقد استثمر الرموز الوطنية البارزة والموهوبة المتميزة في المجالات الاجتماعية من صحفيين وعلماء وكتاب ودراميين وشعراء وفنانين ورياضيين ومحسنين ومنظمات وجمعيات مختلفة، بهم كانت تنبض الحياة قوية مشرفة شامخة، تؤكد أن السوداني عبر التاريخ باسل وجسور وطني وغيور، مبدع خلاق، معلم صامد وصبور، يتمتع بكل ما أورثته له هذه البلاد من صفات الشهامة والمروءة والأثرة والإقدام، مما لا يتأتى لغيره.
هذه كلها تشهد بأن أحمد عثمان حمزة كان من وبِ ومع تلك القوى التي تصنع المعجزات والانتصارات وتدحر كل فلول البغي والعدوان والباطل مهما كانت سطوتها.
سبق أن اقترحت في مقال بصحيفة الانتباهة إبان حكم الإنقاذ ضرورة أن تُقسم العاصمة لثلاث ولايات: الخرطوم، أم درمان، والخرطوم بحري، (سأعيد نشره لاحقًا إن شاء الله)، لأن حجم كل مدينة يملك مميزات ومقومات ولاية، ومن الصعب على والٍ واحد أن يعالج كل همومها وتحدياتها واحتياجاتها حينما تكون كلها في إطار ولاية واحدة، وكل مدينة منها تشكل بمواردها المتوفرة ولاية كاملة بامتداداتها المعقدة وتداخلها مع ولايات أخرى.
واليوم أقرأ بعض الأقلام تقترح أيضًا ذات الفكرة، ولعل الضرورة الملحة أوجبت ذلك.
ونكتفي بإنجازات الأستاذ أحمد عثمان حمزة التي أشرنا إليها في المقال، أما تفاصيل الإنجازات العينية فإنه يطول سردها.
ولذلك أقترح أن تتولى، كما أسلفت، إدارة إعلام الولاية توثيق هذه الحقبة في إصدارات، ذلك أن ذاكرتنا كشعب سوداني سريعة النسيان، كما يقولون (ذاكرة السمكة)، حتى يهتدي من تحتضنهم العاصمة القومية عائدين مرحبين بعودتهم لحضن الوطن لما تم إنجازه في تلك الحقبة غير المسبوقة في السودان والخرطوم.
والله ولي التوفيق والسداد.