
عامر باشاب يكتب: وداعًا آدم دانفوديو .. معرفة أيام كأنها أعوام
قصر الكلام
عامر باشاب
وداعًا آدم دانفوديو .. معرفة أيام كأنها أعوام
خلال إقامتي المؤقتة التي أتت مصادفة ولم تكن في الحسبان بحي الفردوس (المعمورة) مربع 81 بمنتصف شهر رمضان في ضيافة الأخ الصديق عبد المنعم العشي وأبنائه الأجلاء وفي الشطر الثاني من الأيام المعدودات قدّر الله لي أن أتعرف على نفر كريم من أهل وأصل هذا الحي النموذجي، أوائل الذين تحدوا الصعاب وصبروا على المصاب، وعادوا بكل همة لإعادة إعمار الخرطوم من الخراب.
التقيتهم في بيت الله، ثم انتقل التواصل إلى بيوتهم بتلقائية أصالة وحفاوة أهل السودان التي ترتفع ذروتها في شهر رمضان.
وكان ما كان، وكان أن سرت بيني وبينهم خُوّة ومحبة في الله (من الله وإلى الله). ومن بين هؤلاء الأكارم تعرفت على المهندس الزراعي آدم محمد دفع الله الشهير بـ(آدم دانفوديو)، نسبة لعمله السابق بمؤسسة (دانفوديو) الاقتصادية العريقة، وهو بالحق رجل تألفه من الوهلة الأولى لما يتمتع به من طيبة قلب وصفاء روح ونقاء سريرة وبهاء تقوى تشع بنورها على وجهه النضر.
المهم، معرفتي بالأخ “آدم” لم تمضِ عليها أسبوع حتى علمت من رئيس لجنة مسجد الحي وجاره الودود السعيد “أحمد سعيد” بأنه، أي “آدم دانفوديو”، تعرض لجلطة مفاجئة ألزمته داره، حينها تأثرت وحزنت جدًا، ولكن سرعان ما أيقنت بأن هذه محبة من الله، والله إذا أحب عبده ابتلاه، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
(إن عِظَم الجزاء من عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط).
والحكمة الربانية أن الابتلاء جاء لأخونا “آدم” في شهر البركات والرحمات المفتوحة والهبات والجوائز الممنوحة، زرته بداره عدة مرات فوجدت ما توقعت تمامًا: صبر جميل على الابتلاء والامتحان، وظل طيلة فترة محنته المرضية هذه بكل تأزماتها على هذا الصبر، إلى أن اختاره الله إلى جواره صباح الخميس، في آواخر أيام شهر ذي القعدة. كما شهد له من البعد من كان يعرفه عن قرب أنه كان حمامة مسجد، ولديه صبر كبير في انتظار الصلاة إلى الصلاة بالمسجد.
ولا شك إنها علامات حسن الخاتمة، وإنه بهذا الصبر الجميل ارتقى أعلى درجات الإيمان، وطبعًا هذه الدرجة لا يبلغها إلا من صدق مع الله وسلّم أمره إليه، فيفوز بالجزاء الذي ادّخره له العزيز الوهاب، قال الله تعالى جل علاه:
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وهذا جواز عبور أخضر إلى (دار القرار) دون انتظار المرور بمرحلة (السؤال).
آخر الكلام، بس والسلام:
نسأل الله الرحمن الرحيم الذي جمعنا بهذا الرجل الخلوق الفقيد “آدم” في واحدة من بيوته العامرة على الأرض بـ(مسجد الفردوس)
أن يجمعنا معًا يوم العرض الحق بـ(الفردوس الأعلى)، في جنات ونهر، في مقعد صدق عنده المليك المقتدر، بجوار صاحب الروضة
(الحبيب المصطفى) صلى الله عليه وسلم.
والتعازي موصولة لكل أفراد أسرته الصغيرة: أبنائه دكتور محمد الفاتح وأحمد، ولأفراد أسرته الكبيرة وأهله الأفاضل بقرية (الجزائر) ريفي سنجة، ولأسرة الجوار أهل الحي آل العشي وآل الشيخ أحمد سعيد، وسعادته عبد الرحمن مصطفى، والأستاذ السماني، والدكتور العظيم الطيب النعيم، والمهندس الهادي، ومولانا سليمان، والشيخ نزار، والشاب الهمام عوض، والشيخ الإثيوبي حجاج، ولكل المصلين بـ (مسجد الفردوس.. مسجد قطر).
إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم اجمعنا دائمًا بالأخيار الأبرار
في الحل والترحال.