هيئة النزاهة والشفافية .. الفساد في كماشة الحكومة
هيئة النزاهة والشفافية .. الفساد في كماشة الحكومة
تقرير: الهضيبي يس
إلتقى رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس بالخرطوم رئيس هيئة النزاهة والشفافية الفريق شرطة عابدين الطاهر والذي أوضح في تصريح صحفي أن اللقاء تناول ضرورة إكمال متطلبات عمل هيئة النزاهة والشفافية، القانونية منها والمالية. وأبان الفريق شرطة عابدين الطاهر أن اللقاء تطرق إلى أهم متطلبات الهيئة خلال هذه المرحلة والمتمثلة في المقر والتأسيس وإكمال عضوية الهيئة وهيكلها التنظيمي والوظيفي. وتعهد الفريق شرطة عابدين بإنطلاق عمل هيئة النزاهة والشفافية والاستفادة من تجارب الدول التي عبرت في هذا الشأن. وأكد الفريق عابدين أن دولة القانون ستسود في البلاد وسيتم إجتثاث كافة أوجه الفساد.
وتُعد هيئة النزاهة والشفافية أحد القرارات التي كوّنها رئيس الوزراء قبل أسابيع، عقب ارتفاع أصوات ضرورة مكافحة الفساد وسط مؤسسات الدولة، وأثر نشر عدة قضايا تتصل بوجود تجاوزات ارتبطت بحكومة الأمل خلال فترة العام الماضي، ما حدا برئيس الوزراء إلى اتخاذ القرار في سبيل الوصول إلى حقائق ما يجري، وتحويل تلك القضايا إلى القضاء من بعدها.
وهي لم تكن المرة الأولى التي يعكف السودان فيها على تشكيل جسم مشابه؛ فقد اتخذ الرئيس السابق عمر البشير، خلال العام 2017، قرارًا قضى بتكوين ما عُرف بهيئة مكافحة الفساد، التي أُوكلت مهامها حينها لسعادة الفريق أول أمن صلاح عبدالله قوش، وما عُرف وقتها بحملة إلقاء القبض والتحقيق مع (القطط السمان)، وذلك إثر تمدد بقعة الحديث عن جملة الامتيازات التي ظل يحظى بها مجموعة من الأشخاص بالدولة، وارتباطهم بالسلطة، مما ولّد أموالًا طائلة في عدة مجالات اقتصادية.
والآن، ووفقًا لمراقبين، ها هي الدولة تُقدم على تكرار التجربة ولكن بوجه آخر؛ فأولى تصريحات اللواء عابدين (أنهم عازمون على اجتثاث الفساد)، ويبدو بقدر ما يحمل التصريح من محفز سياسي واجتماعي، أنه ولّد تساؤلات أساسية، منها: ما هي الأدوات المتوقع أن تعمل بها الهيئة لكشف مواطن الفساد؟ علاوة على: هل ستكون التحقيقات والمسارات القانونية علنية أم لا؟ مقارنة مع تجربة مضت فيها حكومة رئيس الوزراء السابق د. عبدالله حمدوك بتكوين لجنة إزالة التمكين، وما شابها من ملاحظات ومواقف سياسية.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد عكاشة أن ما أقدم عليه رئيس الوزراء من قرار بتكوين هيئة النزاهة والشفافية أمر بالتأكيد جيد، ويصب في اتجاه عملية الإصلاح الكلية التي تتبناها الحكومة على مستوى المؤسسات، ولكن طالما أن (الحرب) ما زالت موجودة، فإن التحديات سوف تتضاعف، مما يصعّب عدة مهام أمام الهيئة في الحيلولة نحو تنفيذ ما ترنو إليه من مساعٍ وأهداف، خاصة أن الحرب دفعت بعض المواقع الجغرافية، التي ما تزال خارج سيطرة الجهاز التنفيذي، إلى أن تكون سببًا في وقوع عدة تجاوزات، على أقل تقدير في الوقت الراهن.
ويضيف عكاشة أيضًا: ما لم تستطع حكومة (الأمل) تحويل كافة مؤسسات الدولة للعمل بنظام إلكتروني محكم يتجاوز الطرق والسبل التقليدية، فإنها ستواجه إشكاليات كبيرة على مستوى القضايا المالية التي، على مر الوقت، ما ترتبط بشؤون الفساد، وهذا قطعًا يحتاج إلى تعزيز مزيد من عوامل البنية التحتية التي دُمّرت بفعل الحرب، وقامت عناصر مليشيا الدعم السريع بإتلافها بغية إخراج الدولة من أي تعاملات اقتصادية أو اجتماعية.
وتوقع عكاشة أن تُمنح الهيئة صلاحيات قانونية ودستورية كبيرة، وهو أمر جيد في إطار العمل، ولكن مع ضرورة عدم إحداث أي تقاطعات مع أي أطراف أو مؤسسات أخرى بالدولة، يجهض عمل (الهيئة)، كذلك من الأهمية ابتعاد مؤسسة النزاهة والشفافية عن أي دوائر سياسية خلال الفترة القادمة حتى لا تقع فريسة لإحدى دوائر التنافس داخل الدولة، خاصة أن التعامل مع وسائل الإعلام يكون بعد إنهاء عمليات التحقق في أي قضية، حتى لا يتم تشكيل رأي عام حول الهيئة بأنها طرف يعمل على تأدية مهمة سياسية.
يرى خبراء الحوكمة ومكافحة الفساد أن تشكيل هيئة النزاهة والشفافية يمثل خطوة مهمة في مسار إصلاح مؤسسات الدولة، لكنه يظل مرهونًا بتوفر الإرادة السياسية والاستقلالية الكاملة في اتخاذ القرار. ويؤكد المختصون أن نجاح الهيئة يتطلب تبني أنظمة إلكترونية حديثة للرقابة المالية والإدارية، إلى جانب تفعيل مبدأ الشفافية وإتاحة المعلومات للرأي العام. كما يشددون على أهمية حماية المبلغين وتعزيز دور القضاء في تسريع البت في القضايا. ويحذر الخبراء من تسييس عمل الهيئة، معتبرين أن الحياد والاحترافية يمثلان الضمانة الأساسية لكسب ثقة المواطنين وتحقيق نتائج ملموسة في مكافحة الفساد.