محمد علي التوم من الله يكتب: عجبني للبعوض!!

وفي العقل متسع

محمد علي التوم من الله

عجبني للبعوض!!

إذا قلت لك عزيزي القارئ إن حكاية طريفة لعجوز سودانية فقيرة تُدرَّس (بضم التاء) فوائدها في كبرى الجامعات العالمية، وإن حدثًا بيئيًا عالميًا قاسيًا تسبب في موت المئات من البشر في العالم وتزمجر منه الناس وحسبوه محنة، وهو منحة عاد بنتائج مفيدة للسودان، فأنت قد تكتشف مقاصد هذا المقال بعنوانه اللافت أعلاه.
العجوز السودانية الفقيرة (حبوبة) كانت لا تملك من حطام هذه الدنيا سوى قطية صغيرة وعنقريب (هبابي) وبعض اللزوميات الحياتية البسيطة.
ذهبت ذات يوم لزيارة أرحامها في قرية مجاورة، وعند عودتها قبل غروب الشمس فاجأها أحد السكان عند مدخل القرية بخبر صادم، وقال لها: (ربنا يعوضك يا حاجة قطيتك احترقت بما فيها)!! فكان جوابها الفوري المباشر دون اكتراث وبثبات: (عجبني للمرقود)!!
والمرقود، كما هو معلوم لدى السودانيين، تلك الحشرة الدقيقة التي تسكن حنايا العنقريب وتنشط ليلًا فتقلق منام من ينام عليه.
والذي يُدرَّس في كبرى الجامعات العالمية ويرجع فضله بما يُعرف بـ(التفكير الإيجابي) كان نتاجًا للحريق الهائل الذي شب في مختبرات ومصانع إديسون الشهيرة (1914).
وكما كان ثبات (الحبوبة) السودانية الساخرة، والتي أصبحت حكايتها الطريفة تتناقلها الأجيال، كذلك كان ثبات توماس إديسون الذي قال: (قد أحرقت النيران كل تجاربنا الفاشلة السابقة، وعلينا أن نبدأ من جديد) بالرغم من أنه كان قد تقدم في السن.
بالتالي اعتمدت الجامعات العالمية موقفه هذا مثالًا لما يسمى (بالتفكير الإيجابي) الذي تشاركه الحبوبة التي لم يُذكر اسمها، فهي فقيرة كما السودان اليوم. واعتمد توماس والحبوبة على أهم مرتكزات التفكير الإيجابي الثلاث:
١/ المرونة النفسية وعدم الاستسلام للحزن.
٢/ قوة الإرادة التي تحول المحن إلى منح.
٣/ التعامل مع الصدمات بثبات وعقل متفتح.
صحيح أن الحبوبة فقيرة ولا يحزنها ما حدث لإمكانياتها اليائسة، وأن إديسون غني فقد الكثير، ولكن تبقى لهما قيمة الثبات، وتبقى للحبوبة الطرفة الملهمة التي نتعلم منها الكثير.
النيران قاسم مشترك في مسرح الحدثين، وليست النيران وحدها التي تصنع الأحداث وتلهم الإنسان بعد مآلاتها علومًا وأفكارًا تعين القوي على امتصاص الصدمات وعلاج الأخطاء وبناء الأفضل، وإنما نيران بيئية مثل ارتفاع درجات الحرارة في العالم في الشهور الأخيرة الفائتة حصدت في أوروبا أرواح مئات البشر، وكان للسودان منها نصيب من الأضرار.
إذًا فكيف تكون المحنة منحة؟!
إن حكومات السودان عجزت عن مكافحة البعوض، وحتى منظمة الصحة العالمية وغيرها، وفي تقاريرها أن الملاريا هي وراء وفيات ملايين البشر في العالم، كما أن السودان ابتلي في الآونة الأخيرة بنوع جديد من البعوض هو البعوضة (الزاعجة) المصرية التي تتولى وردية النهار، فهي تسبب مرض (حمى الضنك)، ولها القدرة على التكاثر في المياه الراكدة النظيفة داخل وحول المنازل.
إن درجة الحرارة التي تجاوزت 40 درجة فما فوق تسببت في هلاك البعوض وقتلت يرقاته في مهدها، وذلك بشكل لافت مما دعا الكثيرين لأن يستغنوا عن الناموسية.
والحمد لله انخفضت بشكل كبير أضرار ما يسببه البعوض.
تقول التقارير العلمية: إن انخفاض درجات الحرارة إلى 10 درجات يوقف نشاط البعوض ويصبح غير قادر على الطيران، وفي الدرجة صفر تؤدي إلى هلاكه. أما ارتفاع درجة الحرارة إلى 40 درجة فما فوق فيؤدي إلى جفاف جسمه وموته وموت اليرقات في الماء.
أكيد أن العناية الإلهية وراء كل ذلك. فله الحمد والمنّة والشكر.
وعلينا أيضًا أن نستصحب التفكير الإيجابي في تجاوز ما أحدثه العدوان الممنهج اللعين ببلادنا الحبيبة بسبب حربه المدمرة وغير المسبوقة. وعجبني للبعوض.