أين تسهر هذا الصباح؟

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

أين تسهر هذا الصباح؟

 

مرافعة ولا كل المرافعات
في إحدى جلسات المحاكمات ونحن في غرفة المحامين كنت متهماً في قضية تتعلق في بلاغ متعلق بالنشر كان محامي الخصم فيها الأستاذ الراحل غازي سليمان المحامي وكان رجلاً ذا سعة ووطنية ولطف واحترام للآخر تآنسنا حول التقاضي وأدبياته والمرافعات في تاريخ الأدب العربي والأوروبي، فقصصت عليه مرافعة الرجل القتيل الذي أنقذته مرافعته الساحرة أمام الأمير مصعب بن الزبير، مرافعة نجت به من النطع وجعلته من أثرياء المدينة وقد أُعجب جداً الراحل غازي بالحكاية وكتبها بخط أنيق في مفكرته وافترقنا.
تقول الحكاية أو بالأحرى المرافعة أن:
مصعب بن الزبير أمر بقتل رجل، فقال الرجل: ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك الحسنة هذه ، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطواقك وأقول: أي رب سل مصعبا لم قتلني؟ فقال: أطلقوه، فلما أطلقوه، قال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتك في خفض عيش،قال قد أمرت لك بمائة ألف درهم، فقال:
فإني أشهد الله وأشهد الأمير أن لإبن الرقيات نصفها قال لم؟ قال لقوله:

إنّما مصعب شهاب من الله
تجلّت عن وجهه الظّلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه
جبروت يخشى ولا كبرياء
يتّقى الله فى الأمور وقد أفلح
من كان همّه الاتّقاء

الصدق مَنجاة من السيف

رغم قسوة الحجاج وسفكه للدماء في الحق والباطل إلا أن كان وَقَّافاً عند الأدب والشجاعة ومما روى عنه في أيام العرب أنه
خطب يوماً فأطال، فقام رجل، فقال: الصلاة، فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه يزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله، فقال: إن أقر بالجنون خلّيته ، فقيل له، فقال: معاذ الله لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني. فبلغ ذلك الحجاج، فعفا عنه لصدقه.

مازال الطلب قائماً

طلبت من الأخ الأمين كاكوم أن يُفرِد لنا مقالاً عن سيرة هؤلاء الثلاثة فوعد ولم يفعل وما زال الرجاء على باب (الدوحة) قائماً.
كان المهلب يقول: أشجع الناس ثلاثة: ابن الكلبية ،وأحمر قريش، وراكب البغلة، فابن الكلبية ،مصعب بن الزبير، وأحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر ما لقي خيلا قط إلا فرّقها. وراكب البغلة عباد بن الحصين ما كان قط في كربة إلا فرجها وهو من الإسلام. وكان للمهلب في الحروب مكايد مشهورة ووقائعه أبادت الخوارج بعد أن كانوا قد استولوا على المسلمين، وكان سيدا كريما، مات حتف أنفه، وكذلك ابنه المغيرة، وفيه يقول زياد الأعجم:
مات المغيرة بعد طول تعرّض
للقتل بين أسنّة وصفائح

الخِدعة الحميدة

قلت لأحدهم حين قرأ لي هذه الحكاية طالباً مني التعليق علموا أبناءكم الأدب حتى يَتقُوا سيوف السلاطين.
غضب الرشيد على حميد الطوسي، فدعا له بالنطع والسيف فبكى، فقال له: ما يبكيك؟ فقال، والله يا أمير المؤمنين: ما أفزع من الموت لأنه لا بد منه، وإنما بكيت أسفا على خروجي من الدنيا، وأمير المؤمنين ساخط عليّ، فضحك الرشيد وعفى عنه، وقال: إن الكريم إذا خادعته انخدع.

أصلو الجمال راس مال

كانت لبابة بنت عبدالله بن عباس من أجمل الناس وجهاً وكانت عند وكان أكثر الرجل وضاءة وحُسناً وقالت حق نفسها وحقه هذه الكلمات المدهشة.

كانت لبابة بنت عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم من أجمل الناس وجها، وكانت عند زوجها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فكانت تقول: ما نظرت وجهي في مرآة مع إنسان إلا رحمته من حسن وجهي، إلا الوليد، فكنت إذا نظرت إلى وجهي مع وجهه رحمت وجهي من من حسن وجهه.
قال الشاعر:
ولو أنها في عهد يوسف قطّعت
قلوب رجال لا أكفّ نساء

حاشية:

وفي الغناء السوداني مقطع جريء وشفيف في أغنية شهيرة بعنوان: ( سائق البوباي) وكان حظ النساء في قيادة السيارات شحيحاً
سوق لف يمين وشمال
رش في طريقنا جمال
نميل محل ما مال
أصلو الجمال (راس مال)

كسل أم عسل؟

كانت العرب قديما تقول فلانة نؤوم الضحى كناية عن غُنجها ودلالها ورغدِ عيشها ،وهذا مقصد امرئ القيس حين قال في معلقته:
وتُضحي فتيتُ المسكِ فوقَ فِراشها
نؤومُ الضحى لم تنتطق عن تَفضّلِ

حاشية:

كان أستاذنا الشاعر محمد بشير عتيق يُعلق على المقولة وأبيات إمرئ القيس بقوله الممزوج بابتسامته البريئة العميقة:
نؤومة الضحى ليس من الكسل ولكن من العسل.

حين يعتلي الشعر المنابر
كان سيف الدسوقي عليه الرحمة عَلَماً في القصيدة الفصيحة وفي شعر الأغنيات وفوق ذلك كان من المجيدين في إلقاء الشعر صوتاً وتجويداً ودراما، رحل الرجل الأديب الشاعر (ود الصالحين) وبقيت قصائده ورسائله وفي كل دفتر من دفاتر العشاق والمحاربين والمهاجرين
مافي حتّى رسالة واحدة
بيها اتصبّر شويّة
والوعد بيناتنا إنّك
كلّ يوم تكتب إليّ

ومن قصائده التي تُحرض أصحاب المناهج بأن تُقرر في كتاب الأدب والنصوص في مقرر الثانويات فهي من غير جمالها دعوة صريحة لمحبة هذه البلاد الطيبة ولهؤلاء السُمر الطيبين.

عد بي إلى النيلِ لا تسال عن التعبِ
الشوق طي ضلوعي ليس باللعبِ
لي في الديار ديارٌ كلما طرفت عيني
يرف ضياها في دجى هُدبي
وذكرياتُ أحبائي إذا خطرتْ
احسُّ بالموجِ فوقَ البحرِ يلعب بي
شيخ كأن وقار الكون لحيته
وآخرونَ دماهُمْ كونت نسبي
وأصدقاء عيون فضلهم مدد
إن حدثوك حسبت الصوت صوت نبي
أمي التي وهبتْ حرفي تألقَهُ
تجئ رحمتها من منبعٍ خصبِ
وإن تغيّبَ في دربِ الحياةِ أبي
قامت إلى عبئها أيضاً بعبء أبي
والناس في وطني شوق يهدهدهم
كما يهز نسيم قامة القصب
والجار يعشق للجيران من سبب
وقد يحبهم جدًا بلا سبب
الناس أروع ما فيهم بساطتهم
لكن معدنهم أغلى من الذهب
عد بي إلى النيل لا تسأل عن التعب
قلبي يحن حنين الأينق النجب
من كان يحمل مثلي حب موطنه
يأبى الغياب ولو في الأنجم الشهب
ثارت جراحي نيراناً يؤججها
عدو الرياح على قلبي وفي عصبي
كنا سماء تبث الخير منهمرًا على البلاد
كقطر الديمة السكب
وكان موطننا عزًا ومفتخرًا
ما هان في عمره يوماً لمغتصب
وقدوة لشعوب لا تماثلنا
في الحلم والعلم والأخلاق والأدب
والكنز كان هو الإنسان مكتملاً
في محفل الجد لم يهرب ولم يغب
والنيل إن فاض أروتنا جداوله
وإن تراجع جاد النخل بالرطب
والحب أروع ما في الكون نغزله
خيطاً من الشمس أو قطراً من السحب
والحنبك الفذ في الأشجار لمعته
ازرت بكل صنوف الكرم والعنب
والناس قاماتهم طالت إذا هتفوا
بالشمس جيئي تعالي هاهنا اقتربي
جاءت على خجل حيرى تسائلهم
من ذا على النيل يا أحباب يهتف بي
ماذا أصاب ضمير الناس في زمن
صعب كان به داء من الكلب
هذا زمان غريب كيف نعرفه
أو كيف يعرفنا من زحمة الحقب
ارجع الي شباب العمر مؤتزراً
بالحب والوصل لا بالوعد في الكتب
وارفع عن القلب ما يلقاه من عنت
واغسل عن الوجه لون الحزن والغضب
فقد أعود كما قد كنت من زمن
فخر الشباب ورب الفن والأدب