الشواهد المُخيفة في سيرة ترمب والخليفة

حسين خوجلي يكتب:
ولألوان كلمة. .

الشواهد المُخيفة في سيرة ترمب والخليفة

مقال لأغلبية الأنصار وأقلية حزب الأمة

للخليفة عبدالله التعايشي أربعة تصانيف لأربعة من مستشاريه وقياداته اشتهرت في مجالس الأنس بأم درمان في عهده وفي العهود التي تلته بعد مقتله الفاجع في أم دبيكرات، بعد أن طرح فروته أمام حملة ونجد باشا. وقد استشهد بجواره الأمير علي ود حلو والأمير أحمد فضيل والصادق بن المهدي والملازم أب جكة وقُتل ألف من رجاله وأُسر قرابة الثلاثة آلاف من الجنود والمرافقين من النساء والأطفال. وقد كانت المهدية عموماً حافلة بكثير من المواقف والأقوال التي أصبحت مثلاً سائراً في الناس ونرجو من الدارسين أن يجمعوا مقولات الخليفة حول رجاله وقاداته وفرسانه من حُراس المشهد وخونته وإن كانت الأربعة هي الأشهر.
1_فلان يخافني ويخاف الله.
2_فلان يخافني ولا يخاف الله.
3_فلان يخاف الله ولا يخافني.
4_أما فلان لا يخافني ولا يخاف الله.
ولأن الغربيين قد اهتموا كثيراً بدراسة تجربة الدولة المهدية، وقد برز هذا الإهتمام واضحاً في أنهم أرسلوا ونستون تشرشل مراسلاً حربياً لمعركة كرري والذي أصبح لاحقاً رئيساً لوزراء بريطانيا وأحد أبطالها في الحرب العالمية الثانية وصاحب كتاب (حرب النهر). ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أخذ من مقولة الخليفة مُستدِلاً فكان من متفرقاته على الأسافير :
1_البابا روبرت فرنسيس بابا الفاتيكان يخافني ويخاف الله.
2_ بنيامين نتنياهو يخافني ولا يخاف الله.
3_ والمرشد الإيراني مجتبي خامنئي يخاف الله ولا يخافني.
4_أما الزعيم الصيني الشيوعي شي جين بينغ فإنه لا يخافني ولا يخاف الله.
ونرجو أن لا تحرمنا هذه الجملة الاعتراضية لاستدلال الرئيس الأميريكي المثير للجدل دونالد ترمب من سرد بقية السيرة الباهرة للخليفة ورجاله وفرسانه والنهاية المُدوية لدولة المهدية أكبر الثورات التي هزت عروش الاستعمار الجديد وكانت نبراساً وهادياً لكل شعوب الأرض الحالمة بالحرية الانعتاق.
قال الشاهد:
حين تكاثفت النيران أمام الخليفة وقف الملازم أب جكة أمامه يستر النيران بجلبابه حتى سقط مضرجاً بدمائه أمام الخليفة فحمل الخليفة رأسه في موقف مهيب ووضعه على حِجْره فظنها الأمير أحمد فضيل إشارة ضعف فزحزحه عن حِجْر الخليفة فرد عليه الخليفة في حزم وصوت حزين : (يا ود فضيل أب جكة كان شايلني أربعتاشر سنة ما أشيلو يوم شهادتو).
وقد استنكف الأمير علي ود حلو أن يموت جالساً فاستل سيفه واتجه نحو مدفعية المكسيم ظالعاً متعثراً ومتحاملاً على جرحه، وقد أصدر الخليفة له أمراً بالجلوس لكن رصاصات العدو كانت أسرع من أمر الخليفة وأسرع من تنفيذ الأمير.
قُتل ود حلو ومزقت ثلاث رصاصات صدر الخليفة إحداهن اخترقت قلبه فسقط وهو يردد الشهادة، وقد تناثر حوله مجموعة من القادة كالدراري المضيئات على جِيِد عفيفة حسناء في ليلة عرسها الخصيب. نعم تناثروا فارتوت بدماءهم شجيرات الأثل والطلح والهشاب في ذلك القفر البعيد.
روت دماء الأمراء الشهداء تلك الأرض الطيبة يتقدمهم من :
1_الأمير أحمد فضيل.
2_ الأمير عجب الفيه.
3_ الأمير حامد علي.
4_الصديق بن المهدي.
5_ هارون محمد شقيق الخليفة.

ومن الأسرى:

1_الأمير شيخ الدين.
2_ الأمير يونس الدكيم.
3_ الأميرعلي فرفار.
4_ الأمير الختيم موسى.
5_ الأمير إسماعيل أحمد.
6_ الأمير فضل حسنه.

وقد أفلت الأمير الثائر ممثل الشرق عثمان دقنه الذي اخترق النيل الأبيض والجزيرة كالسهم الأمرد حافياً وراجلاً مشياً على الأقدام حتى بلغ تخوم تلال البحر الأحمر ، واختفى في أحد الكهوف بمعاونة أحد مقاتليه القُدامى وقد اجتهدت مخابرات المستعمر في معرفة مكان إختفاءه، وقد رصدت مبلغاً طائلاً في ذلك الزمان لمن يدل عليه ، ويبدو أن رفيق السلاح القديم قد ( انفَنَس) كما تقول مفردات اليسار عندما يسقط أحد الرفاق من العضوية في سنوات النضال المُرّ، وأرسل إلى السلطات خوفاً أو طمعاً دالاً على مخبأ الأمير المجاهد.
نَحّى الجنود المُقتَحمين مصحفه جانباً وقيدوه بالسلاسل، كان كعادته صلباً بدد هيبة الموقف بأنفة واعتداد عُرف بها الرجل كان شامخاً كأحد قمم جبال البحر الأحمر، إلتفت نحو الواشي صديق الكِفاح القديم الساقط في إمتحان الوطنية العسير (ياود علي أنا انقضبت عَلّك ما بعتني رخيص) وقد أصبحت من الكلمات الخالدة بل إنها أصبحت مثلاً يُستدل بها في المقالات الصحفية والسياسية اللاحقه تلك التي تُشابه هذا الموقف وتُشابه شجاعة بعض الرجال وخيانة البعض .
حُمل عثمان دقنة إلى سجون الشمال في رشيد وبعده إلى حلفا يرسف في قيده، ومن العجائب التي تُحكى عن قبره بعد أن غمرت مياه السد العالي حلفا أن القوة والإداريين الذين نقلوا الرفات وجدوا الرجل رطباً بكفن جديد كأنما دفن البارحة. وفي سجن رشيد مات عثمان الخليل بجراحه التي أُهملت فقتلته (الغرغرينة) ومات محمود ود أحمد ونُقل يونس ود الدكيم من سجن رشيد ومات عام 1936 .
أما الخليفة شريف فاختار أن يجمع أعراض المهدية من النساء والأطفال من زوجات المهدي وبناته وبنات الخلفاء وشق بهم الطريق إلى الجزيرة ،حيث اتخذ من جزيرة الفيل مقراً لكن الإدارة الاستعمارية كانت قد أصدرت أمراً للسكان بالامتناع بمدهم بالماء والقِرى والكِساء وتوعدت كل من يساعدهم بعقاب مُهين لكن المجاهد الكريم ود شِقِدّي استعصى وتأبى على تلك الأوامر، فكان يأمر حيرانه آخر الليل بأن يتسربوا في خفية يمدون الخليفة والثلة الصابرة من النساء والرجال والأطفال بالماء والكِساء والزاد، ومن هنا انطلقت العبارة الشعبية الشهيرة في تمجيد الرجل والثناء على جوده وشجاعته( ود شِقِدّي هو نايم وإيدو تَدي) ولرفع الحرج عن الرجل وأهله اختار الخليفة شريف منطقة الشُكابة التي عاش فيها حياة وادعة يصلي بالناس ويتلون القرآن ويقرؤون الراتب ويتآنسون بأخبار الكفاح والجراح .
لكن الطابور الخامس كعادته في كل العصور لا يهدأ له بال حتى يغتال كل نبض وطني يتأبى على الاستعمار والاستلاب والارتهان للأجنبي. نقلوا تقاريراً كاذبة بأن الخليفة شريف أصبح يحشد الأنصار من جديد ويجمع السلاح لمقاتلة السلطة الإستعمارية.
تحرك بعدها الضابط الإنجليزي الكولونيل لويس حاكم المنطقة ومعه فرقة مدججة بالسلاح وبالرغم من أنهم وجدوا الحياة كانت راتبة وعادية لا خطر منها لا ظاهراً ولا باطناً ، إلا أنه بحقد الإبادة المركوزة في دواخل هؤلاء الأوغاد ، فتح النار على الآمنين والأبرياء فاقتال الخليفة شريف وأبناء المهدي الفاضل والبشرى وبقي الصغير عبدالرحمن الذي دفعت به أمه في شجاعة ونكران ذات وهي ترى إخوانه قد قُتلوا أمام عينيه. قالت مقبولة وأعينها تُحدِق تارة صوب السماء وتارة في عين الغازي غير وجلة ولا مترددة: (ده أخوهم برضو أقتلوه) ولكن يبدو أن مشيئة القدر كان تَدّخِرُ هذا الصبي الأسمر الصغير لدور مدني في النضال بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ورأى أن المعركة لها وجه آخر قائم على الجهاد المدني لا وجه المواجهة المباشرة الدامية. وفي تبرير ذلك تداول الناس المرافعة اللطيفة الموحية للشاعر عُكير الدامر وهو يقارن بين جهاد الإمام المهدي وجهاد ابنه الإمام عبدالرحمن حين قال:
جهاد المهدي سيف سلاه أَلمَعْ ضاوي
حَكّمو في الرقاب الفي الشرع بِتلاوي
واتَ جهادك الليد بالهداية تداوي
مُختلفه السيوف إلا الضرب متساوي
إن صفحات التاريخ السوداني تضج بالمواقف والمآثر والرجال صفحات ناصعات لا تمتلك إفريقيا ولا العالم العربي بارقة خاطفة منها ولا مثيل لها، لكننا للأسف لم نستطع الإفادة لا من بطولاته ولا من انتصاراته ولا من انكساراته، لا في تجييش الحس الوطني ولا في استنارة النقد الذاتي الذي يضيء الطريق بتاريخ جديد واشراف يفيد أو يستفيد من الإشراقات ليتفادى بها الإخفاقات، بل أننا للأسف ظللنا نستغل الأخطاء والاجتهادات الخاسرة إنتقاءً لجْلدِ الذات لا لانتقادها، فصارالتاريخ قيداً جديداً على الواقع والحاضر وظللنا إلى يوم الناس هذا لا نستطيع فكاكاً من الأسر وحديده المُثقل الباهظ التكاليف، وهذا مقام يطول فيه الحديث بيد أني ما زلت أحتفظ في ذاكرتي بكلمات قالها الضابط النابه والباحث المستنير ابن القوات المسلحة الرائد عصمت زلفو وهو يصف تلك النهاية لتلك الدولة الوطنية المثيرة للجدل بقوله:
وفي الساعة الخامسة وأربعون دقيقة في يوم 24 نوفمبر 1899 ، ومع الخفقات الأخيرة لأنفاس الخليفة المتلاشية ، تلاشى نهائياً ورسمياً آخر مظهر من مظاهر السودان المستقل ، وتمت التصفية النهائية للثورة المهدية ، وانطوت بذلك صفحة مضيئة من تاريخ الإنسانية، يقف العقل والقلم أمامها عاجزاً عن تصوير وحصر الآفاق العريضة التي ارتادتها ، والآلام التي فجرتها . وبينما كان ضوء شمس ذلك اليوم يزداد بين لحظة وأخرى ، بدأ نجم دولة الأمجاد في الأفول تاركاً الأفق لعهد آخر، وتجمعت كل تلك السنوات التي التي كانت دائماً حُبلى بالنار والنور، بالأمجاد والجراح في لمحة صغيرة كطرفة عين، أو كوهج أعشى الأبصار ثم اختفى.
وفي تلك البقعة الصغيرة من الأرض تجمعت أجساد رجال مثلوا نهاية صف طويل من الأبطال الذين سقطوا بعد أن صنعوا دولتهم ووضعوها في القلوب أولاً ثم بنوها على أسنة الرماح.