تصدعات تضرب المليشيا .. الانشقاقات تفتح باب السقوط الكبير
تصدعات تضرب المليشيا .. الانشقاقات تفتح باب السقوط الكبير
تقرير: مجدي العجب
لم تعد الانشقاقات التي تضرب صفوف مليشيا الدعم السريع حوادث عابرة أو مواقف فردية معزولة، بل أصبحت ظاهرة متصاعدة تكشف حجم التصدعات الداخلية التي تعصف بالمشروع الذي حملته هذه المليشيا خلال الحرب. فبينما حاولت قياداتها تقديم صورة عن تماسك الصفوف، كانت الوقائع على الأرض تشير إلى اتساع دائرة الخلافات والانقسامات، مع خروج عدد من الشخصيات والقيادات التي كانت جزءاً من المشهد الداخلي للمليشيا، لتعلن مواقف مغايرة وتكشف عن صراعات عميقة داخل بنيتها التنظيمية والسياسية. وجاء انشقاق فارس النور ليعيد تسليط الضوء على سلسلة من الانسحابات والانشقاقات التي سبقتها، من بينها خروج كل من النور قبة وعلي رزق الله السافنا وإبراهيم بقال، إلى جانب عدد من المستشارين والشخصيات التي كانت قريبة من دوائر القرار داخل المليشيا. وقد حملت إفادات عدد من هؤلاء المنشقين انتقادات حادة لمسار المليشيا، وكشفت، حسب تصريحاتهم، عن طبيعة المشروع الذي يرون أنه يتجاوز حدود الصراع العسكري إلى مخطط يستهدف الدولة السودانية ومؤسساتها.
وتأتي هذه التطورات في ظل المعلومات المبذولة حول الجهات الإقليمية الداعمة للمليشيا، حيث يوجه السودان اتهامات، بل شواهد عبر معلومات ومستندات، إلى حكومة أبوظبي بتقديم الدعم للمليشيا. وفي خضم هذا الجدل، يرى مراقبون أن تزايد الانشقاقات يعكس حالة من الاضطراب داخل صفوف الجنجويد، ويشير إلى صعوبة الحفاظ على وحدة مشروع عسكري وسياسي قائم وسط تصاعد الخلافات والانتقادات من داخله.
وبينما تتواصل الحرب وتتعقد مشاهدها، فإن ظاهرة الانشقاقات تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل المليشيا، ومدى قدرتها على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية، في وقت باتت فيه الأصوات الخارجة من داخلها تحمل روايات وشهادات تلقي مزيداً من الضوء على طبيعة الصراع وتداعياته على مستقبل السودان.
ولم تكن الانشقاقات التي شهدتها صفوف مليشيا الجنجويد مرتبطة فقط بخلافات داخلية أو صراعات على النفوذ، بل ارتبطت كذلك بما كشفه عدد من المنشقين من معلومات وانتقادات حول الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها المليشيا بحق المواطنين السودانيين خلال فترة الحرب.
فمع اتساع رقعة المواجهات، تصاعدت التقارير والشهادات التي تتحدث عن انتهاكات واسعة شملت استهداف المدنيين، وعمليات تهجير قسري، ونهب الممتلكات، والاعتداء على الأحياء السكنية والمنشآت المدنية، وهي أفعال أثارت إدانات محلية ودولية واسعة. وقد أشار عدد من الخارجين من صفوف المليشيا إلى أنهم رفضوا الاستمرار في مسار قالوا إنه ألحق أضراراً كبيرة بالمواطنين وهدد وحدة الدولة السودانية.
وكشفت شهادات بعض المنشقين عن حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون في مناطق الصراع، حيث تحولت حياة الآلاف إلى مأساة يومية بين الخوف والنزوح وفقدان مصادر الرزق. كما أعادت هذه الإفادات تسليط الضوء على طبيعة الانتهاكات التي يُتهم بها عناصر المليشيا، وعلى المطالبات المتزايدة بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم بحق الشعب السوداني.
ولكن اتضح أن المليشيا تحفز منسوبيها للقتال بالغنائم ونهب المواطن.
نهاية المليشيا
ويرى العقيد (م) محمد فرح حاج النور أن موجة الانشقاقات والتصدعات التي تضرب صفوف مليشيا الجنجويد تمثل مؤشراً مهماً على بداية مرحلة الانهيار الداخلي، مشيراً في حديث لـ(ألوان) إلى أن أي قوة مسلحة تفقد تماسكها التنظيمي وتبدأ قياداتها وعناصرها في مغادرة صفوفها، فإن ذلك يعكس وجود أزمة عميقة داخل المشروع الذي تقوم عليه.
ويقول إن خروج شخصيات كانت جزءاً من المنظومة، وإفصاحها عن خلافاتها وانتقاداتها، يكشف عن حجم التناقضات داخل المليشيا، خاصة بعد ظهور شهادات تتحدث عن طبيعة الانتهاكات التي ارتكبت بحق المواطنين، وما وصفه بـ”انكشاف حقيقة المشروع الذي تقوده المليشيا”.
وأضاف أن التشظي لا يُقاس فقط بعدد المنشقين، وإنما بما يحمله هؤلاء من معلومات وروايات تكشف الصراعات الداخلية وتضعف الصورة التي حاولت المليشيا تقديمها عن وحدتها وقدرتها على الاستمرار. ويرى أن هذه التحولات قد تكون مقدمة لمرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة المليشيا على الحفاظ على بنيتها العسكرية والسياسية.
وزاد حاج النور أن تماسك الدول لا يُبنى على قوة السلاح وحدها، وإنما على القبول الشعبي والمشروع الوطني، معتبراً أن فقدان الحاضنة وانكشاف الممارسات ضد المدنيين يمثلان عوامل ضغط إضافية على أي قوة مسلحة تسعى للاستمرار.
تفكك الجنجويد
فيما يرى مراقبون أن موجة الانشقاقات والتصدعات التي بدأت تضرب صفوف مليشيا الجنجويد تمثل بداية مرحلة جديدة عنوانها التفكك والتشظي، وأن ما حدث من خروج عدد من القيادات والشخصيات المرتبطة بالمليشيا ليس مجرد أحداث منفصلة، بل مؤشر على أزمة داخلية متصاعدة.
ويشير مراقبون استنطقتهم (ألوان) إلى أن المليشيا، مع استمرار الانقسامات وتزايد الأصوات المنتقدة من داخلها، قد تواجه صعوبة في الحفاظ على وحدة صفوفها خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع تراجع الثقة بين مكوناتها وظهور خلافات حول الأهداف والمسارات.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن بداية النهاية لأي تشكيل مسلح تبدأ عندما تتآكل قناعته الداخلية وتفقد قيادته القدرة على ضبط عناصره وتوحيد رؤيته، معتبرين أن ما تشهده المليشيا حالياً قد يكون مقدمة لتشقق أكبر وتشظي واسع، وصولاً إلى ذوبان المشروع الذي قامت عليه.
عنوان التشظي
لذلك، وفي ظل هذا النزيف الداخلي المتواصل، تبدو المليشيا أمام مرحلة من الانهيار المتسارع، فالتصدعات التي ضربت بنيتها تكشف هشاشة المشروع الذي قامت عليه، وأن ما بدأ من انشقاقات قد يتحول إلى موجة تشظي واسعة تُفقدها القدرة على الاستمرار، لتصبح هذه المرحلة عنواناً لبداية نهايتها.