حسين خوجلي يكتب: أهل الكهف القدامى والجدد والقادمين
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أهل الكهف القدامى والجدد والقادمين
مما يوثق للخطيب الإنساني الموحد قس بن ساعده أنه ابتدر جُملاً في الحديث لم تكن لغيره منها:
(أما بعد،البيبنة على من ادعى واليمن على من أنكر) وقد أصبح لاحقاً مبدأً قانونياً، وقوله: (من قس ابن ساعده إلى فلان) ومنها أخذ الزعيم إسماعيل الأزهري خطاباته لمن يتم فصله من الحزب أو الحكومة ( إلى من يهمه الأمر سلام).
ومما كنا نحفظه منذ المدارس الوسطى خطبة قس بن ساعده التي ألقاها في سوق عكاظ (فشطب) بجرأته الوثنيات في عِقر مكة واستهزأ بالأصنام وأعلن التوحيد قبل نزول الرسالة، وقد أنصفه المصطفى صلى الله عليه وسلم بالدعاء له إذ قال مما رواه عبد الله بن عباس قال: قدم وفد إياد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن قس بن ساعدة الإيادي، فقالوا: هلك يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد شهدته في الموسم بعكاظ وهو على جمل له أحمر أو على ناقة حمراء وهو ينادي في الناس: أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا، واتعظوا تنتفعوا، من عاش مات ، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت.
أما بعد، فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا: نجوم تغور، ولا تغور، وبحار تفور، ولا تفور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وأنهار منبوع.
أقسم قس قسما بالله لا كذبا ولا إثما ليتبعن الأمر سخطا، ولئن كان في بعضه رضا، إن في بعضه لسخطا.
وما هذا باللعب، وإن من وراء هذا للعجب.
أقسم قس قسما بالله لا كذبا ولا إثما إن لله دينا هو أرضى له من دين نحن عليه.
ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنشد قس بن ساعدة أبياتا من الشعر لم أحفظها عنه.
فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: أنا حضرت ذلك المقام، وحفظت تلك المقالة.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما هي؟” فقال له أبو بكر: قال قس بن ساعدة في آخر كلامه:
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفد إياد، فقال: هل وجد لقس بن ساعدة وصية؟ فقالوا: نعم ، وجدنا له صحيفة تحت رأسه مكتوب فيها:
يا ناعي الموت، والأموات في جدث
عليهم من بقايا ثوبهم خرق
دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم
كما ينبه من نوماته الصعق
منهم عراة وموتى في ثيابهم
منها الجديد ومنها الأورق الخلق
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي بعثني بالحق لقد آمن قس بالبعث).
وفي كتب العرب القديمة والمحدثة إحتفاء بخطبته الشهيرة بجزالتها ورصانتها ولقيم التوحيد فيها، وهي في أغلب الروايات تقول:
(أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَات، وَمَنْ مَاتَ فَات، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آت.. مطر ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمهات وأحياء وأموات جمع وأشتات، لَيْلٌ دَاج، وَنَهَارٌ سَاْج، وَسَماءٌ ذَاتُ أبْرَاجٍ، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ومهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تَمور، وبحار لا تغور، وَنُجُومٌ تَزْهَر، وَبِحَارٌ تَزْخَر.. إِنَّ فِى السَّمَاءِ لَخَبَراً، وإِنَّ فِى الأرضِ لَعِبَراً، مَا بَاْلُ النَّاسِ يَذْهبُونَ وَلاَ يَرْجِعُون؟!، أرَضُوا فَأَقَامُوا، أمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟، تباً لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية. يا معشر إياد.. يا مَعْشَرَ إيَاد: أيْنَ الآبَاءُ والأجْدَادُ؟، وأيْنَ الفَرَاعِنَةُ الشِّدَادُ؟، أَلَمْ يَكُوْنُوا أكْثَرَ مِنْكُم مَالاً وأطولَ آجالاً؟، طَحَنَهُم الدهْرُ بِكَلْكَلِهِ، ومزَّقَهم بتطاوُلِه.. يقسم (قس) بالله قَسَماً لا إثم فيه إن لله ديناً هو أرضَى لكم وأفضل من دينكم الذى أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً)
ويُروى أنه أنشد بعدها، فقال:
فى الذاهبينَ الأولينَ مِن القرونِ لنا بَصائر
ورأيتُ قومى نَحوها تَمضى الأكابر والأصاغِرُ
لا يَرجعُ الماضى إلىَّ ولا مِن الباقين غابر
أيقنتُ أنى لا محالةَ حيثُ صارَ القومُ صائر
حاشية :
وأذكر أني كتبت في عدد ألوان الأول مقالاً بعنوان: ( أهل الكهف الجدد واللاحقين ) أدعيت فيه وأرجو أن يكون إدعاءً خَيِّراً أن أهل الكهف الذين قادتهم فطرتهم السليمة والمباركة للإيمان بالله توحيداً دون رسالة أو رسول، وكادوا أن يقدموا أنفسهم شهداء في سبيل هذا المعتقد المبارك إلى أن فداهم المولى عز وجل بنومة عميقة أصبحت معجزة تُتلى في القرآن إلى يومنا الناس هذا، وهذا يستدعي تفسيراً جديداً للكهف يتجاوز الكهف الموقع إلى الكهف الزماني والمكاني وتعقيدات العصر بكل مافيها من اجتهادات وابتلاءات. لقد كان زعمي قائماً على أن هنالك ملايين الفتية في كل أصقاع الأرض لم تبلغهم الرسالات غفر الله لنا وتقبل منهم وأهم الأسباب في عدم بلوغ الرسالة لهم تقصيرنا نحن المسلمون في حقهم، ولذا فإن وعد الله سبحانه وتعالى سيطالهم بالجنة كما طال فتية الكهف. وصدق الله العظيم حين كرمهم بآيات تتلى ليل نهار على أفواه الصالحين والعارفين والركع الساجدين:
{إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا (10) فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا (11) ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا (12) نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى (13) وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا (14) هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا}