
نداء المسؤولية .. إنقاذ دار الوثائق القومية
نداء المسؤولية .. إنقاذ دار الوثائق القومية
د. محمد علي عبد الحميد إبراهيم
معاً لإنقاذ ذاكرة السودان إلى البروفيسور الأكاديمي والمؤرخ الفاضل أحمد إبراهيم أبو شوك
(ونسخة مفتوحة إلى سدنة الدولة السودانية، ورئيس مجلس وزرائها، وكافة الأجهزة السيادية والمعرفية، وإلى الضمير الوطني السوداني)
تلقينا ببالغ القلق والاهتمام صرختكم الوطنية الشجاعة، ونداءكم العاجل الذي يمس نياط القلوب “أنقذوا دار الوثائق القومية بالخرطوم.. أنقذوا ذاكرة السودان”. إن هذا النداء ليس مجرد مقال أكاديمي، بل هو وثيقة اتهام للتاريخ وضد الصمت، ومحاكمة لضمير كل سوداني يرى هويته تلتهمها نيران الصراع وتذروها الرياح ركاماً وتلفاً.
إننا إذ نلبي نداءكم اليوم، يستوجب علينا الوفاء والتاريخ أن نستحضر بكل جلال وإكبار الجهود الأسطورية والمؤسِّسة للبروفيسور الراحل محمد إبراهيم أبو سليم، راعي الدار الأول ومهندس ترتيبها وحفظها. إن هذا الصرح العظيم ما كان ليكون لولا عقود من أفناء العمر بذلها البروفيسور أبو سليم، الذي وضع القواعد العلمية للأرشفة السودانية، وتتبع المخطوطات والوثائق النادرة ونبشها من غياهب النسيان ليجمعها تحت سقف واحد. ومعه، نستذكر بامتنان جيل الفدائيين الأوائل من مساعديه وخبرائه والعمال المخلصين بالدار، الذين واصلوا ليله بنهاره، فرتبوا، وبوّبوا، وحفظوا ملايين الصفحات بأيديهم الغضة وأدواتهم البسيطة، حارسين لذاكرة الأمة وصانعين لهويتها المكتوبة.
إن صرختكم اليوم، يا بروفيسور أبو شوك، تعيد إلى أذهاننا ذات الهواجس والمخاوف الكبرى التي أرّقت مضاجع أديبنا وشاعرنا الراحل صلاح أحمد إبراهيم، الذي كان يرتاد هذه الدار ويغوص في ردهاتها المخطوطة بمباركة وتوجيه من البروفيسور أبو سليم نفسه. فمنذ عقود، عندما كان صلاح يفتش في “طبقات ود ضيف الله” ليستلهم عنفوان الشخصية السودانية في “غضبة الهبباي”، كان يدرك أن تاريخ هذه البلاد هو درعها الأخير. لقد علّمنا صلاح، وجسد أبو سليم ومساعدوه واقعاً، أن تفريغ الخرطوم من وثائقها، أو تركها نهشاً للحرائق والإهمال، هو بمثابة “حرق ملامحنا في المرآة” وإعلان تيه جماعي لا فكاك منه. لذلك، ومن منصة نداءكم هذا، نضم صوتنا إليكم ونتقدم إلى الدولة السودانية بمطالبة حاسمة ترفع “إنقاذ دار الوثائق” إلى مرتبة الأولوية القومية القصوى والدفاعية، والتعامل مع أزمتها عبر أربعة محاور متكاملة ومستعجلة:
أولاً: تشكيل لجنة طوارئ فنية متخصصة: نطالب بالتشكيل الفوري لـ “اللجنة العليا لإنقاذ الأرشيف الوطني”، على أن تضم نخبة من كبار المؤرخين والأكاديميين، خبراء الأرشفة والترميم، ومهندسي تقنية المعلومات والأمن السيبراني، بالإضافة إلى ممثلين عن وزارتي الخارجية والثقافة. تُمنح هذه اللجنة صلاحيات سيادية كاملة لإدارة الأزمة، والتنسيق المباشر مع المنظمات الدولية، والإشراف الميداني على عمليات الإنقاذ دون تعقيدات بيروقراطية.
ثانياً: الترتيب والإحياء الإلكتروني (الرقمي): بعد الكارثة الفادحة بفقدان الأرشيف الرقمي للدار جراء العمليات العسكرية، يجب على اللجنة المتخصصة فوراً إطلاق خطة طوارئ تكنولوجية بالتعاون مع المنظمات العالمية (كاليونسكو والمنظمات الصديقة) لإعادة بناء السيرفرات السحابية المؤمّنة خارج النطاقات الجغرافية المهددة، وتدشين عملية رقمنة شاملة وسريعة لما تبقى من الثلاثين مليون وثيقة لضمان بقائها المعرفي العابر للأزمنة والمقاوم للفناء المادي.
ثالثاً: الحفظ والأرشفة العلمية: ضرورة حشد كادر علمي متخصص تحت إشراف اللجنة، وتحت حماية أمنية مشددة، لتصنيف وفرز الوثائق والمخطوطات التي تضررت من الغبار والركام مسبقاً، واستخدام أحدث وسائل الترميم العلمي لحمايتها من تسرب مياه الأمطار والرطوبة العالية التي تهدد بهلاك الأصول المادية قبل نقلها.
رابعاً: التأمين والنقل المادي الجغرافي: نطالب الدولة بإعلان مبنى دار الوثائق “منطقة حظر عسكري منيعة”، والبدء الفوري والآمن بنقل الصناديق والمحفوظات الأكثر ندرة وحساسية تاريخية (منذ عهد الفونج والمهدية) مادياً إلى ملاذات جغرافية بديلة وآمنة تماماً داخل البلاد أو في مقار مؤقتة تخضع لرقابة علمية وحراسة مشددة ضد الحرائق والنهب.
إن التفريط في دار الوثائق هو طعنة في صدر البروفيسور أبو سليم ورعيله، وتفريط في صك وجودنا كسودانيين. إن المباني تعاد هندستها، والاقتصاد يمكن إنعاشه، ولكن إذا احترقت الذاكرة المكتوبة، فلن نجد حبراً يعيد كتابة تاريخنا من جديد. كل الدعم لنداءكم سيدي البروفيسور، وعاشت ذاكرة السودان حرة وعصية على الرماد.