التجاني السيوفي .. (إكسبريس) الفن السوداني

التجاني السيوفي .. (إكسبريس) الفن السوداني

بقلم: أمير أحمد حمد

فنان وملحن احتُفي به جيل الأربعينيات والخمسينيات، وذاع صيته بينهم، وجهله كثير من الجيل الحالي. من أوائل الذين تغنوا بالإذاعة السودانية، وأول من عزف آلة العود في بهوها غداة افتتاحها. عاصر حقيبة الفن، ولكنه انتهج لفنه منهجًا آخر في التلحين جعل له عشاقًا لفنه وإبداعه، وحقًا إنه يتمتع بخيال لحني واسع لم تستعصِ عليه الكلمات، فكان أن نال لقب إكسبريس الفن لسرعته في التلحين. وأغنية (الندامى) بضم النون خير شاهد على ذلك، كما جاء في كتاب البروفيسور الفاتح الطاهر (تاريخ الموسيقى)، ذكر أن إذاعة أم درمان قد أقامت مسابقة في النصف الأول من أربعينيات القرن الماضي، وقد فازت قصيدة الندامى بالمرتبة الأولى، وتلتها قصيدة “ما أحلى ساعات اللقاء” للشاعر خالد عبد الرحمن أبو الروس، ثم قصيدة “يحيا الحب دام صفانا” للشاعر خضر حسن سعد، وقد وجدت القصيدتان الأخريان طريقهما للتلحين، وظلت القصيدة الأولى دون لحن، فطلب مدير الإذاعة آنذاك طه حسين زكي من الفنان التجاني السيوفي أن يقوم بتلحينها على وجه السرعة نظير مكافأة مالية مقدارها عشر جنيهات، وكان مبلغًا كبيرًا آنذاك، وكان له ما أراد، فقد قدم التجاني السيوفي القصيدة ملحنة في اليوم التالي في الإذاعة، لذا أُطلق عليه لقب (إكسبريس).
وقد أبدع في تلحينها كلمات باللغة العربية الفصيحة، رغم أن التجاني كان حظه من التعليم بسيطًا، وهذا يؤكد بأن التلحين موهبة في الأساس، وقد سُجلت في الإذاعة بصوت فنان الجزيرة الخير عثمان، الذي تغنى بعدد من أغنيات التجاني السيوفي، ولم تُسجل بصوت التجاني لعدم وجود التسجيل الإذاعي في ذلك الوقت.
وهذه الأغنية من كلمات المحامي حسن دراوي، وبعضهم ينسبها للشاعر محمد عثمان عبد الرحيم، ولكن أرجح الأول على الثاني، ومنها:

ﺃﺩﺭِ ﺍﻟﻜﺄﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺸﺎﻕ ﺻﻔﻮًا ﻭﻣﺪﺍﻣﺔ
ﻳﺎ ﺣﺒﻴﺐ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﻳﺎ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻨﺪﺍمى
ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﺮﺍﻓﻞ ﻓﻲ ثوب ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺴﻦ ﺩﻭﺍﻣﺎ
ﻣﺎﺳﺖ ﺍﻷﻏﺼﺎﻥ ﻟﻤﺎ ﻋﺸﻘﺖ ﻣﻨﻚ ﺍﻟﻘﻮﺍﻣﺎ
ﺗﺘﺤﺪﻯ ﺍﻟﺒﺎﻥ ﻣﻴﻼً ﻭﺍﻋﺘﺪﺍﻻً ﻭﺍﻧﻘﺴﺎﻣﺎ
ﻭﺗﻔﻮﻕ ﺍﻟﺒﺪﺭ ﺣﺴﻨﺎً ﻭﺿﻴﺎءً ﻭﻭﺳﺎﻣﺔ

وقد اتصل بعدد من شعراء تلك الفترة، منهم علي محمود التنقاري، وعبد الرحمن الريح، والهادي العمرابي، ويقيني أنه غنى للشاعرين الأول والثاني، ولكن ضاعت بعدم التسجيل، أما العمرابي فقد لحن وتغنى له بالأغنية الشهيرة (أين مي) التي حفظها لنا من الاندثار الفنان الفخيم صلاح ابن البادية بذات لحن السيوفي، كما فعل قبله الخير عثمان. وتقول بعض كلماتها:

كن كيف شاء لك الدلال فإنني بك معجب
أكثرت في هجري وكان الظن أن تترفقا
فوعدتني بالعطف لكن قد نسيت الموثقا
غيرت فكري بالبعاد وكان قربك مطلقا
اذكر على بعد دياري حديثنا في الملتقى
أما أنا..
فكما عهدتني مخلص ومهذب
أرعى حقوق حبايبي ولأجلهم أتعذب
ولقد كشفت قناع حبي بعد طول تستر
الحب لو بلغ المدى كشفته عين المبصر
وأنا الذي حمل الصبابة وحده لم يفتر
وعبدت فيك الله يا ذات النقاب الأخضر
يا حبيبتي ذات العيون السود هل لك مطلب؟
هاك الفؤاد هدية مني وقد لا يؤهب
يا أخت من خاض المعارك بالسيوف اللمع
خوضي معي حرب القلوب عنيفة لا تجزعي
نيرانها زفراتي الحرّى برغم الأدمع
ومقرها المهج الجريحة حين تلك الأضلع
عيناك..
سيرتا عيوني يا منبعًا لا ينبض
الحب روض ما هو إلا دمع يسكب
ولقد ذكرتك مرة والجمع في نشر وطي

ويظهر التأليف الموسيقي واضحًا في لحنها وصعوبة بعض مفرداتها، ولكن استطاع السيوفي تطويعها بكل سهولة، وقد أجاد ابن البادية الأداء.
وقبل أن يغادر البلاد، كان وثيق الصلة بالأخوين الشاعرين أحمد ومحمود فلاح، فقد تغنى من كلمات أحمد فلاح بعدد من الأغنيات، فقد تغنى بأغنية “عيوني وعيونك هم أسباب لوعتي”، وغناها أيضًا إبراهيم الكاشف، وأغنية “عيوني” التي تغنى بها أحمد المصطفى، وأغنية “بكاء الخنساء” وتغنى بها أيضًا بادي محمد الطيب، وقد أضاف إلى لحنها بعض الشيء، وأغنية “من هوى المحبوب دموعي نازلة هميلة” التي حفظها لنا بصوته الفنان الخير عثمان، كذلك أغنية “يا نجوم الليل الليل الليل أنا شفت البان عليك ميل” التي تغنى بها أيضًا الفنان كمال ترباس، كذلك أغنية “اسمعني نغم حالي عسى قلبي يصحالي”.
ولكن شاءت الأقدار أن يلتحق الشاعر أحمد فلاح في وقت مبكر عام 1943 غرقًا في النيل.
والتجاني السيوفي له الفضل في إظهار شاعرية الشاعر الكبير إسماعيل خورشيد حينما تغنى بكلماته عام 1946، وهي أغنية “عاوز أنسى الأمي وأحقق آمالي ونسعد هوانا”، وقد سجلها للإذاعة بصوته الفنان الخير عثمان.
وقبل أن يغادر السودان من غير رجعة، فقد سافر إلى القاهرة، والتقى بمجموعة من الفنانين، منهم الفنان إسماعيل عبد المعين، والفنان عوض مدني الذي أعجب بأغنيات السيوفي وقام بترديدها.
للأسف لا يوجد تسجيل صوتي بصوت التجاني السيوفي، ولا حتى عن طريق الأسطوانة التي كانت متاحة في ذاك الوقت، علمًا بأن التسجيل الإذاعي بدأ عام 1957 على أشرطة الريل، وفي ذلك الوقت كان خارج البلاد.
وعندما عاد من القاهرة دُعي إلى حفل، وفي الحفل اصطدم بموقف لم يحتمله، فانسحب من الحفل دون أن يلحظه أحد، وتوجه إلى السكة حديد، ومنها إلى كسلا، ثم غادر البلاد متوجهًا إلى أسمرا برفقة عميد الفن السوداني الحاج محمد سرور، وأقاما حفلات هناك، وقد اشتهر التجاني السيوفي في المجتمع الإرتري، وتعلم لغتهم وتغنى بها.
ثم انتقل إلى أديس أبابا وتعلم لغتهم حتى استطاع أن يترجم أغنية خليل فرح “عازة في هواك”، وحقيقةً التجاني ساهم في نشر الأغنية السودانية في تلك البقاع.
وبعدها سافر إلى جيبوتي بدعوة من أهلها لإعجابهم بفنه الذي استمعوا إليه عبر إذاعة أديس أبابا، وقد طاب له المقام فيها، وأسس ورشة نجارة ليتكسب منها، وهناك التقى بشريكة حياته (خضرة الصومالية) التي أنجب منها ابنه أسامة وابنته فتحية.
ولكن لم يستقر في جيبوتي كثيرًا، حيث قررت السلطات الفرنسية طرده إلى عدن، والسبب أنه حشد عددًا من السودانيين ومعجبيه في جيبوتي لاستقبال السيد إسماعيل الأزهري، الذي كان في رحلته إلى باندونغ، وقد توقف في جيبوتي لتزويد طائرته بالوقود.
هذا الفعل اعتبره المستعمر مصدر إزعاج لهم، فقرروا طرد التجاني السيوفي إلى عدن، كما ذكر الأستاذ معاوية حسن يس في كتابه “من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان”.
ذهب التجاني إلى عدن، وعانى فيها ما عانى، وقد توفي بها، له الرحمة والمغفرة.